محمد بن أحمد الفاسي
123
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
كان يدعو لمكثر بعد الخليفة الناصر العباسي ، وقبل صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب الديار المصرية والشامية ، وذكر أن مكثرا ممن يعمل غير صالح ، ونال منه بسبب المكس الذي كان يؤخذ من الحجاج بجدّة ، إن لم يسلّموا بعيذاب ، وذكر أن هذا المكس كان سبعة دنانير ونصف دينار مصرية ، يؤخذ ذلك من كل إنسان بعيذاب ، فإن عجز عنه عوقب بأليم العذاب ، وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق بالأنثيين ، وغير ذلك . قال : وكان بجدّة أمثال هذا التنكيل وأضعافه ، لمن لم يؤدّ مكسه بعيذاب ، ووصل اسمه غير معلّم عليه علامة الأداء ، وكان ذلك مدة دولة العبيديين ، فمحا السلطان صلاح الدين هذا الرسم اللعين ، وكان لأمير مكة والمدينة ، وعوّض أمير مكة ألفي دينار ، وألفي أردب قمح ، وإقطاعات بصعيد مصر ، وجهة اليمن . وذكر ابن جبير أيضا : أنهم لما وصلوا إلى جدّة ، أمسكوا حتى ورد أمر مكثر بأن يضمن الحاج بعضهم بعضا ، ويدخلوا إلى حرم اللّه تعالى ، فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين ، وإلا فهو لا يترك ماله عند الحجاج . انتهى . وكان زوال هذه البدعة القبيحة ، على يد السلطان صلاح الدين ، في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ، على ما ذكر أبو شامة « في الروضتين في أخبار الدولتين الصلاحية والنورية » . ووجدت بخط بعض أهل العصر ، مثال كتاب كتبه السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب ، إلى الأمير مكثر هذا ، ينهاه فيه عن الجور ، ونص الكتاب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، اعلم أيها الأمير الشريف ، أنه ما أزال نعمة عن أماكنها ، وأبرز الهمم عن مكامنها ، وأثار سهم النوائب عن كنانتها ، كالظلم الذي لا يعفو اللّه عن فاعله ، والجور الذي لا يفرق في الإثم بين قائله وقابله ، فإما رهبت ذلك الحرم الشريف ، وأجللت ذلك المقام المنيف ، وإلا قوينا العزائم ، وأطلقنا الشكائم ، وكان الجواب ما تراه لا ما تقرأه ، وغير ذلك ، فإنا نهضنا إلى ثغر مكة المحروسة في شهر جمادى الأخرى ، طالبين الأولى والأخرى ، في جيش قد ملأ السهل والجبل ، وكظم على أنفاس الرياح ، فلم يتسلسل بين الأسل ، وذلك لكثرة الجيوش ، وسعادة الجموع ، وقد صارت عوامل الرماح تعطى في بحار الدر » انتهى . وتوفى مكثر في سنة ستمائة ، على ما ذكر ابن محفوظ ، لأنه ذكر أن في سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، وصل حنظلة بن قتادة إلى مكة ، وخرج إلى نخلة ، وأقام بنخلة إلى أن مات في سنة ستمائة .