محمد بن أحمد الفاسي
76
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وذكره ابن رشيد في رحلته ، وذكر شيئا من حاله ، فقال بعد أن ذكر نسبه ومولده : ورحل به أبوه إلى العراق سنة أربع وثلاثين ، فسمع بها مع أبيه تاج الدين من بغداد سنة خمس وثلاثين ، ورجع إلى الشاونال بها وبمصر الرتبة العليا ، والجاه العظيم عند السلطان . ولم يزل كذلك إلى عام سبعة وأربعين وستمائة ، حتى وصل الفرنسيس إلى الديار المصرية ، في العام المعروف بعام دمياط ، عام هياط ودمياط ، فأقام بها في المنصورة مع المحلة ، إلى أن أشتد أمر العدو في تلك الأيام . فأتفق هو وأحد أصحابه على أن يهيأ أنفسهما للّه تعالى ، ويجاهدا حتى يستشهدا ، فخرجا وقاتلا ، ففاز صاحبه بالشهادة ، وأخر هو لما أراد اللّه تعالى من أنواع السعادة ، فعاد إلى العسكر جريحا ، حسبما ذكر في كتابه الذي صنفه في غزوة دمياط ، وحين انقضى أمر العدو ، ورأى أن لا يرجع في هيئته ، فتوجه إلى حرم اللّه تعالى واستوطنه . ولم يزل مستوطنا على كثرة ترغيب الملوك له ، ورغبتهم في وفوده عليهم شاما ويمنا ، لم يخرج منه ، إلا لزيارة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، نفعه اللّه ونفع به ، وإلى ذلك أشار بقوله « 2 » [ من الوافر ] : إذا ما عنّ لي شجن * فمن حرم إلى حرم انتهى . وسيأتي منها أبيات كثيرة . ومن شعر أبى اليمن بن عساكر ، ما أنشدناه المفتى أبو بكر بن الحسين بن عمر الشافعي ، سماعا بالحرم النبوي : أن البدر محمد بن أحمد بن خالد الفارقي ، أنشده ذلك إذنا إن لم يكن سماعا ، عن أبي اليمن بن عساكر [ من الكامل ] : يا جيرتى بين الحجون إلى الصفا * شوقى إليكم مجمل ومفصل أهوى دياركم ولى بربوعها * وجد يثبطنى وعهد أول ويزيدني فيها العذول صبابة * فيظل يغرينى إذا ما يعدل ويقول لي لو قد تبدلت الهوى * فأقول قد عز الغداة تبدل باللّه قل لي كيف تحسن سلوتى * عنها وحسن تصبرى هل يجمل يا أهل ودى بالمحصب دعوة * من نازح يلقاكم يتعلل ومنه بالإسناد المذكور [ من الوافر ] : عسى الأيام أن تدنى الديارا * بمن أهوى وقد شطوا مزارا
--> ( 2 ) انظر : التحفة اللطيفة 1 / 177 .