محمد بن أحمد الفاسي
68
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
داود هذا ، ولى إمرة مكة بعد أبيه بعهد منه ، في أوائل شعبان سنة سبعين وخمسمائة ، فأحسن السيرة وعدل في الرعية . فلما كانت ليلة منتصف رجب من سنة إحدى وسبعين ، أخرجه منها ليلا أخوه مكثر ، ولحق داود بوادي نخلة ، ثم عاد إلى مكة ، واصطلح مع أخيه في نصف شعبان من هذه السنة ، وكان الذي أصلح بينهم ، شمس الدولة أخو السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب ، لما قدم من اليمن ، متوجها إلى الشام . فلما انقضى - الحج من هذه السنة ، سلمت مكة إلى داود هذا ، بعد أن أخرج منها أخوه مكثّر ، لما وقع بينه وبين طاشتكين أمير الحاج العراقي من محاربة ، وأسقط داود جميع المكوس بها ، ورحل الحاج بعد أن أخذوا العهود والمواثيق على داود ، أن لا يغير شيئا مما شرط عليه من إسقاط المكوس وغير ذلك من الإرفاق . وكانت مكة سلمت قبله للأمير قاسم بن مهنا الحسيني أمير المدينة ؛ لأنه كان قد ورد مع طاشتكين ، وأقامت معه ثلاثة أيام ، قبل أن تسلم لداود . وسبب تسليم مكة لداود ، عجز قاسم بن مهنا عن إمرة مكة ؛ لأن ابن الجوزي قال في المنتظم ، في أخبار سنة إحدى وسبعين وخمسمائة : « فيها عقدت الولاية لأمير المدينة على مكة ، فخرج على خوف شديد من قتال صاحب مكة مكثّر بن عيسى ، ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر الفتنة التي كانت بمكة في هذه السنة : ثم إن أمير مكة المشرفة ، الذي كان ولاه الخليفة المستضىء بأمر اللّه ، قال لأمير الحاج وللحجاج : إني لا أتجاسر أن أقيم بمكة بعد خروج الحاج ، فأمروا غيره ورحلوا . انتهى . ولم تطل ولاية داود بن عيسى لمكة ؛ لأنى وجدت ما يقتضى أن أخاه مكثّرا ، كان أميرا بمكة في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ، كما سيأتي في ترجمة مكثّر ، ثم عاد داود إلى إمرة مكة ، وما عرفت متى كان عوده إليها ؛ إلا أنه كان واليا بها في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، وفيها عزل عنها ؛ لأن الذهبي قال في تاريخ الإسلام : فيها أخذ داود أمير مكة ما في الكعبة من الأموال ، وطوقا كان يمسك الحجر الأسود لتشعثه ، إذ ضربه ذاك الباطني بعد الأربعمائة بالدبوس . فلما قدم الركب ، عزل أمير الحاج داود ، وولى أخاه مكثّرا ، وأقام داود بنخلة ، إلى أن توفى في رجب سنة تسع وخمسين وثمانين ، وهو وآباؤه الخمسة أمراء مكة . انتهى . والذين ولوا مكة من آبائه أربعة : أبوه عيسى ، وجده فليتة ، وجد عيسى قاسم ، وجد فليتة محمد بن جعفر . فلا يستقيم قول الذهبي إنهم خمسة « 1 » . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) على هامش إحدى النسخ بخط السيد محمد مرتضى الزبيري شارح القاموس :