محمد بن أحمد الفاسي
57
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وقيل أن سبب تركه لذلك ، أنه كان رغب في أن يكون ابنه محمد بن عجلان ضدا لولده أحمد ، بأن يفعل في البلاد فعلا يظهر به محمد ، ويغضب منه أحمد ، فيلين بذلك جانب أحمد لأبيه ؛ لأنه كان قوى عليه ، وينال بذلك مقاصد من ابنه أحمد ، فكتب عجلان ورقة إلى ابنه محمد ، يأمره بأن يشغب هو وأصهاره الأشراف على أحمد بن عجلان ، وأن يأخذ من خيل أبيه ما شاء ، ويذهب إلى نخلة ، فيأخذ منها أدرعا له هناك مودعة ، ويأخذ ممن هي عنده ما يحتاج إليه من المصروف ، فوصلت ورقته إلى ابنه محمد ، وهو في لهو مع بعض أصدقاء أخيه أحمد ، فأوقفهم على ورقة أبيه ، فاستغفلوه وبعثوا بها إلى أخيه أحمد ، وأشغلوه باللهو إلى أن بلغ أخاه الخبر ، فقصد أحمد أباه في جمع كثير ، معاتبا له على ما فعل ، وكان قد بلغه ما كان من ابنه محمد ، وشق عليه ذلك كثيرا ، فاعتذر لأحمد ، وما وجد شيئا يتنصل به إلا السماح له بترك الإمرة ، وظن أنه يعجز عما يشترطه عليه عوضا في الترك . وكان في نفسه ثلاثمائة ألف درهم فيما قيل ، بعضها في مقابلة الإمرة ، وبعضها في ثمن خيل يبيعها له أبوه لعدم حاجته إليها ، إذ لم يكن أميرا ، فالتزم أحمد مقصود أبيه من المال ، وأعانه عليه جماعة من التجار . فلما تيسر له المبلغ المطلوب منه ، ندم أبوه ورام أن يعرض عن قوله فما قدر عليه ، وما وسعه إلا الموافقة ، فاشترط على ابنه أيضا أن يكون له بعض الرسوم التي لأمير مكة - وبلغني أنه رسم مصر - وأن يديم له ذلك مدة حياته ، مع الخطبة له والدعاء على زمزم ، فالتزم له ابنه بذلك ، وأشهد كل منهما على نفسه بما التزمه ، جماعة من أعيان الحرم ، وأنهى هذا الحال لصاحب مصر ، أن عجلان ترك نصيبه في الإمرة لابنه أحمد ، وأنه والمجاورين يسألون تقرير أحمد في ولاية مكة بمفرده ؛ فأجاب السلطان إلى ذلك . وذكر لي بعض الناس ، أن ذلك كان في سنة أربع وسبعين وسبعمائة ، وذكر لي بعضهم ما يدل على أنه قبل ذلك بسنتين أو نحوهما . واللّه أعلم . واستمر أحمد منفردا بالإمرة ، إلى أن أشرك معه فيها ابنه محمد بن أحمد في سنة ثمانين وسبعمائة ، وما كان لمشاركته في ذلك أثر ؛ لأن السيد أحمد هو القائم بمصالح العسكر ، وإليه النظر في جميع الأمور ، واشتمل على ذلك إلى أن مات السيد أحمد . وكان بعد موت أبيه عزم على السفر إلى جهة ينبع ، فقيل لحرب أميرها ، وقيل لإزالة أمر بوادي الصفراء « 1 » أمر بإزالته لضرر حصل منه للحاج ، فلما نزل الهدة هدة بنى
--> ( 1 ) الصّفراء : بلفظ تأنيث الأصفر من الألوان ، وادى الصفراء : من ناحية المدينة ، وهو واد كثير النخل والزرع والخير في طريق الحاج وسلكه ، وبينه وبين بدر مرحلة ، قال عرّام بن -