محمد بن أحمد الفاسي

35

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وكان ماهرا في الفقه وأصوله ، مشاركا في غيرهما ، ويذاكر من الحديث ومتعلقاته بأشياء حسنة ، وله عدة تواليف منها : شرح الحاوي الصغير ، وشرح جمع الجوامع لقاضي دمشق تاج الدين السبكي ، ومختصر المهمات ، وتأليف على صحيح البخاري ، يتعلق برجاله ، وغير ذلك ، وأظنه سمع من شيوخنا الدمشقيين بالإجازة . وألفيت بخطه شيئا ، رواه عن تاج الدين السبكي من طبقات الفقهاء الشافعية له ، وأظن ذلك إجازة ، وإلا فوجادة . وناب في الحكم بدمشق عن قاضيها شمس الدين بن الإخنائى في أواخر ولايته ، وعن غيره من قضاتها بعده ، ورزق قبولا عند متوليها الأمير نوروز الحافظي ، وبإشارته ولى قضاء دمشق تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي شهاب الدين الزهري المقدم ذكر أبيه . وولى نظر البيمارستان النوري بدمشق ، ونظر جامعها الأموي وغير ذلك من الأنظار الكبار ، كوقف الحرمين والبرج والغازية ، وحمد في مباشرته لتنميته غلال ما ينظر فيه من الأوقاف وقلة طمعه في ذلك ، وعادى في أمر الأوقاف التي تنظّر فيها جماعة ممن له فيها استحقاق من القضاة والفقهاء وغيرهم ، وظهر عليهم في غير ما قضية . وكان ينطوى على دين وخير وعبادة ومروءة وعناية بأصحابه ، وفي خلقه حدة ، وعادت عليه هذه الحدة بضرر في غير ما قضية . وكان بأخرة عند حكام دمشق أعظم قدرا من كثير من قضاتها وفقهائها ، وإليه الإشارة فيما يعقد من المجالس ، وحكم بجرح غير واحد من القضاة بدمشق ، ومنع بعض المفتين والوعاظ من الفتيا والوعظ ، وتم له ما أراد في بعض ذلك . وولى التدريس ببعض مدارس دمشق ، ومشيخة بعض الخوانق بها ، وتصدى بدمشق للتدريس والإفادة والفتيا ، وأتى من دمشق إلى مكة حاجا أربع مرات أو أكثر ، وجاور بها ثلاث سنين متفرقة ، وهي غالب سنة سبع وثمانين ، وسنة تسع وثمانمائة ، وسنة موته . وفي سنة تسع وثمانمائة ، توجه للطائف لزيارة حبر الأمة عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما ، وعاد إلى مكة بعد أيام قليلة ، وأقرأ في هذه السنة بالمسجد الحرام مختصر ابن الحاجب في الأصول ، في حلقة حافلة بالنبهاء ، وأقرأ غير ذلك بمنزله بشباك رباط السدرة وغيره ، وأذن فيها لغير واحد من طلبته في الفتيا والتدريس ومضى بعد الحج من هذه السنة إلى دمشق ، ولم يقدر له بعد ذلك وصول إلى مكة ، إلا في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ، فكان إتيانه إليها مع الحجاج الشاميين بعياله وولده . وكان في