محمد بن أحمد الفاسي

106

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

فحمله القاضي شهاب الدين على رأسه ، والرجل معه ، إلى أن انتهوا إلى المنزل الذي نزل به القاضي شهاب الدين ، فلما رآه أصحابه قاموا إليه وأكرموه ، وعجبوا من فعله ، فرأى ذلك الرجل الذي حمله العنب ، فعجب وقال لهم : هذا حكموا مكة ؟ ، فقالوا له : نعم ؛ فخجل واعتذر إلى القاضي ، وقال له : يا أخاه ، ما عرفتك ؟ ! فقال له القاضي شهاب الدين : ما جرى إلا خير ، حملت شيئا مليحا لي ولأصحابي . هذا معنى ما بلغني في هذه الحكاية . وبلغني أنه سأل الملك الناصر لما حج في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، عن المراسيم التي تصل إلى مكة من جهته ، فقال له : كثير منها لا أعرفه ، وذكر له الملك الناصر أمارة يعرف بها الصحيح من ذلك ، وأن القاضي شهاب الدين قطع بسبب ذلك نيفا وأربعين مرسوما . واتفق له بحضور الملك الناصر قضية تدل على وفور عقله ، وهي أنه اجتمع في الكعبة مع الملك الناصر ، وشخص من أعيان الدولة يقال له ابن هلال الدولة ، فقال ابن هلال الدولة للملك الناصر : يا مولانا السلطان ، هذه الأساطين - يعنى السواري التي في جوف الكعبة - من سفينة نوح عليه السلام . فقال الملك الناصر للقاضي شهاب الدين : هذا صحيح ؟ فقال له القاضي شهاب الدين : كذا قيل . فعرف الملك الناصر أنه أراد الستر ، وأن لا يظهر لابن هلال الدولة منه سوء ، فعاتبه ابن هلال الدولة بعد ذلك على كونه لم يصرح بتصديقه ، وقال له : هؤلاء ملوك ، ولا بد من الترويج عليهم في القول . وبلغني أن القاضي شهاب الدين ، أهدى للملك الناصر تمرا وكعكا في أطباق من الخوص ، فاستحسن ذلك منه الملك الناصر ، وقال : هذا قاض فقير . ولما مات القاضي شهاب الدين خلف دنيا طائلة جدا ، يقال إن منها مائة وخمسين دارا بمكة ، ولكن لم يبارك في تركته ؛ لأنه كان فيما قيل ، يعامل بالفائدة ، ويتحيل عليها بعقد معاوضة بيع وشبهه كما يصنع الناس قديما وحديثا ، ولا تخفى على اللّه خافية ، سبحانه وتعالى . 648 - أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن القيسي ، يلقب بالشرف وبالمجد ، بن الأمين بن القطب بن أبي العباس القسطلاني : أجاز له مع أخويه زين الدين محمد ، ونور الدين على ، من مصر : جدهم قطب الدين