محمد بن أحمد الفاسي

386

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

431 - محمد بن محمد الجديدى المالكي ، الشيخ الصالح أبو عبد اللّه القيرواني : كذا ذكره صاحبنا أبو الطيب بن أبي الزين القيرواني . وقال فيما قرأت بخطه وحدثني به : ولد بالقيروان « 1 » ، ونشأ بها ، وتفقه على الفقيه القاضي أبى عبد اللّه محمد بن محمد ابن عبد خليل بن فيراز المرادي ، وحضرت مجلس قراءته عليه لصحيح . وكان مشتغلا بنفع خلق اللّه ، له كرامات باهرة ، وأحوال سنية ، ابتنى زاوية بالقيروان ، واجتمع عليه خلق كثير من أهل الخير ، وانصرفت الأوجه إليه ، وعظم شأنه ، وانتفع عليه خلق كثير ، وسعى في مصالح العامة ، ثم كثر عليه التعب من كلف الناس . فسافر إلى الحج ، فحج وأقام بمكة . وكان سفره من القيروان ، في عام اثنتين وثمانين وسبعمائة ، فأقام بها على اجتهاد وعبادة ، وحضور لمجلس العلم ، إلى أن توفى بها في شهور سنة سبع وثمانين وسبعمائة ، وعمره قريب الستين . أخبرني غير واحد ممن أثق بدينه من أهل القيروان ، عن أحمد بن عبد السلام بن هيت : أنه كان عنده ليلة ، فتذاكروا ما القيروان فيه من قلة المطر والقحط . قال : فقال لي : يا أحمد ، بعني المطر أو أبيعك ؟ . قال : فبهت ، فأشار إلى خادمه أن أشترى منه . فقلت له : نعم . قال : بكذا وكذا . قلت : نعم ، وغلب عليه النوم . فخرجت من عنده ، والسماء صحو والقمر منير . فما بعدت عن بيت الشيخ ، حتى غاب القمر ، وجاءت السماء بمطر كأفواه القرب ، تلك الليلة ، حتى خشيت سقوط البيت من كثرة النوء . فلما أصبحت أخذت في شراء ما اشترط علىّ الشيخ ، فجهزت طعامان وأردت أن أمضى ، فخرجت من الباب ، وإذا به ينادى : يا أحمد ، لا تتكلم على بشئ ، لئلا يظهر لك منى قطيعة أبدية . فقلت له : يا سيدي ، الذي اشترطت تجهز ، فقال : ادع فلانا وفلانا وأطعمهم ، فإنهم فقراء ، فدعوتهم ولم يحضر الشيخ معهم . وسألت أحمد بن عبد السلام عن هذه الحكاية ، بعد وفاة الشيخ بمدة ، فاعترف لي بذلك .

--> ( 1 ) القيروان : قال الأزهري : القيروان معرب وهو بالفارسية كاروان ، وقد تكلمت به العرب قديما ، والقيروان في الإقليم الثالث ، طولها إحدى وثلاثون درجة ، وعرضها ثلاثون درجة وأربعون دقيقة ، وهذه مدينة عظيمة بإفريقية غبرت دهرا . انظر معجم البلدان ( قيروان ) .