محمد بن أحمد الفاسي

372

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

فاس ، رحمها اللّه - تقول : كان لوالدي مخزن فيه شعير ، فأصاب الناس سنة شديدة ، واشتد الغلاء وكثر الضعيف . قالت لي : وكان ذلك المخزن له منفس غير بابه ، فأغلق والدي باب المخزن ، وكان يخرج الشعير من ذلك المنفس ، وكان كل يوم يأمر أهله أن يخرجوا جانبا من الشعير ، ويطحنونه ، ويخبز منه بعضه خبز ، وبعضه حريرة ، ويجتمع الضعفاء من أول النهار . فيأمر من يفرقه عليهم . قالت : فلم يزل كذلك ، إلى أن ذهب الشتاء وانجلت تلك الشدة ، وتفرق الناس يأكلون من بقول الأرض ، ومن أوائل فريك الزرع ، وقل الطالب . قالت : فقال والدي : افتحوا هذا المخزن ، واكنسوه مما بقي فيه ، فقد جاء الحصاد إن شاء اللّه تعالى . قالت : ففتحوا المخزن ، فوجدوه ما نقص منه شيئا أصلا . وقال : وكانت هذه ميمونة لنا مثل الوالدة ، وكانت من خيار الناس وفضلائهم . وقال : سمعت الإمام محب الدين أبا العباس أحمد بن عبد اللّه الطبري المكي يقول - بمكة المشرفة - : كنت جالسا يوما مع الجماعة المعروفين بدكتهم المعروفة بهم ، عند باب إبراهيم من المسجد الحرام ، فنظر أحدهم ، فرأى في الطواف فقيرا من أصحابهم ، فقال لمن إلى جنبه من الجماعة : أما ترى فلانا يطوف ؟ - على معنى الغبطة له على الطواف - فقال له صاحبه : إذا أردت تطوف ، امش إلى السوق ، وخذ مد حب ، وأوقية سمن وكل وطف ، من يقعد معنا ما يذكر طوافا ولا غيره . ومعنى هذه الحكاية : أن أعمالنا قلبية ، لا تتقيّد بالحركات الظاهرة في كثير من المندوبات ، فإن كنت أنت ممن يحب الطواف ، فكل الخبز وطف ، وكن فيما أنت فيه ، ولا تدخل علينا غير ما نحن فيه ، فقد قالوا : نفس من ذاكر ، خير من ألف ركعة من غيره . وقال : سمعت الشيخ أبا عبد اللّه الوشيكى - رحمه اللّه - يحكى عن بعض مشايخه ، أنه كان يقول : إذا أشكلت عليكم المسائل ، فعليكم بالصالحين ، فإنه تعالى يقول في كتابه العزيز : ( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) [ التغابن : 11 ] . ومن هدى اللّه قلبه ، فلا إشكال معه أو عنده . قلت : وهذه الهداية أيضا واللّه أعلم ، في هداية خاصة ، وهي في قوله تعالى : ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ) [ مريم : 76 ] . وقال : سمعت الفقيه أبا محمد عبد اللّه بن محمد بن حسن بن عبّاد أيضا ، يحكى عن