محمد بن أحمد الفاسي
355
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
عماد الدين أحمد بن المشطوب ، اتفقوا مع الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل ، وانضموا إليه ، وظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض السلطنة إليه ، وخلع الملك الكامل ، واشتهر ذلك بين الناس . وكان الملك الكامل يداريهم ، لكونه في قبالة العدو ، ولا يمكنه المعافرة والمنافرة ، وطول روحه معهم ، ولم يزل على ذلك حتى وصل إليه الملك المعظم صاحب دمشق ، فأطلعه الملك الكامل على صورة الحال في الباطن ، وأن رأس هذه الطائفة ، ابن المشطوب المذكور . فجاءه يوما على غفلة إلى خيمته ، واستدعاه ، فخرج إليه وقال : أريد أن أتحدث معك سرا في خلوة ، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة ، وكان المعظم جرد جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق بهم . وقال لهم : اتبعونا ، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ، ويخرج معه من شئ إلى شئ ، حتى أبعد عن المخيم ، ثم قال : يا عماد الدين هذه البلاد لك ، ونشتهي أن تهبها لنا ، ثم أعطاه شيئا من النفقة ، وقال لأولئك المجردين : تسلموه حتى تخرجوه من الرمل ، فلم يسعه إلا امتثال الأمر ، لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال ، ثم عاد إلى أخيه الكامل ، وعرفه صورة ما جرى ، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل ، لإحضار النجدة منها ، فمات بها . وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد . فلما خرج هذان الشخصان من العسكر ، تحللت عزائم من بقي من الأمراء الموافقين لهما ، ودخلوا في طاعة الكامل كرها لا طوعا . فلما استراح خاطر الملك الكامل ، من جهة هذا العدو - وهم الفرنج الذين نازلوه بدمياط - وتفرغ للأمر الذين كانوا متحاملين عليه ، نفاهم عن البلاد ، وبدد شملهم وشردهم ودخل القاهرة وشرع في عمارة البلاد ، واستخرج الأموال من جهاتها ، وكان سلطانا عظيم القدر ، جميل الذكر محبا للعلماء ، متمسكا بالسنة النبوية ، حسن الاعتقاد ، معاشرا لأرباب الفضائل ، حازما في أموره ، لا يضع الشئ إلا في موضعه ، من غير إسراف ولا إقتار . وكان ييبت عنده كل ليلة جماعة من الفضلاء ويشاركهم في مباحثهم وبنى بالقاهرة دار حديث ، ورتب لها وقفا جيدا . وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي قبة عظيمة ، ودفن أمه عنده ، وأجرى إليها ماء من النيل ، ومدده بعيد ، وغرم على ذلك جملة عظيمة . ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام ، وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين