محمد بن أحمد الفاسي
342
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
الأمر بمكة والحجاز ، ما لم يتفق لأحد من مملوك الترك بمصر ، وأنجد الملك المجاهد صاحب اليمن بعسكر ، أيام حرب المجاهد ، والظاهر بن المنصور أيوب بن المظفر . ومن محاسنه : أنه كان معظما لمنصب الشرع ، وقد صحّ لي عن قاضى القضاة عز الدين بن جماعة أنه قال : كان الملك الناصر - يعنى المذكور - يدعوني في دار العدل بحضرة الأمراء ، ويذكر لي سرا ما ليس في السرّية كبير فائدة ، وظهر لي أن الذي يحمله على ذلك ، تعظيم منصب الشرع عند الحاضرين . ومما اتفق له ولم يتفق لملك من بعده ، أنه أجاز الصفى الحلى على قصيدة مدحه بها بمائة ألف درهم ، وعدد أبياتها مائة بيت . وولى السلطنة من أولاده لصلبه ثمانية ، وهم : المنصور أبو بكر ، ثم الأشرف كجك ، ثم الناصر أحمد صاحب الكرك ، ثم الصالح إسماعيل ، ثم الكامل شعبان ، ثم المظفر حاجى ، ثم الناصر حسن ، ثم الصالح صالح ، ولم يتفق ذلك لملك سواه ولا لخليفة . وأكثر ما يعرف في ذلك أربعة لرجل واحد ، وهم : الوليد ، وسليمان ، ويزيد وهشام ، أولاد عبد الملك بن مروان ، وثلاثة ، وهم : الأمين ، والمأمون ، والمعتصم ، أولاد الرشيد العباسي ، والراضي ، والمتقى ، والمطيع ، بنو المقتدر . ويقال : إن جيش مصر ، كان في أيام الناصر المذكور ، أربعة وعشرون ألف مقاتل . ولم يتفق ذلك بعده . وسببه : أن الناصر كان يرى تكثير المقاتلة ، فلا يعطى كلا منهم إلا قدر كفايته أو أزيد بقليل ، ولم ير ذلك الولاة بعده ، وأعطوا لكل من يحبونه أضعاف ما كان يعطيه الناصر . ووجدت بخط الحافظ شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي في وفياته ، ترجمة للملك الناصر هذا ، ذكر فيها من حاله قليلا مما ذكرناه ، ثم قال : وكان من المعرفة لسياسة الملك على أمر عظيم ، لا يكاد أحد يعرف ما في باطنه . وكان كثير التحيل ، يقرب من يقرب ممن يختاره من مماليكه إلى منزلة لم يبلغها أحد ، ثم يسلبه تلك النعمة في ساعة واحدة ، ويهلكه غير محتفل به . انتهى . وقال ابن شاكر في ترجمته : وكان راتبه من اللحم لمطبخه ولمماليكه وغيرهم : ستة وثلاثين ألف رطل مصرى ، وبالغ في شراء الخيل ، حتى اشترى بيت الكرمدى بمائتى ألف . وبالغ في شراء المماليك ، حتى اشترى بخمسة وثلاثين ألف درهم . انتهى . يعنى : الواحد من المماليك .