محمد بن أحمد الفاسي

309

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وقد ذكره صاحب مرآة الزمان فقال بعد نسبه : وزير الموصل ، وكانت الموصل في أيامه ملجأ لكل ملهوف ، ومفزعا لكل مكروب ، ولم يكن في زمانه من يضاهيه ولا يقاربه في الجود والنوال ، والإحسان والإفضال . وكان كثير الصلات ، عزيز البر والصدقات ، بنى مسجد الخيف بمنى ، وغرم عليه أموالا كثيرة ، وجدد الحجر إلى جانب الكعبة ، وزخرف البيت بالذهب ، وبنى أبواب الحرم ، وشيدها ورفع أعتابها صيانة للحرم ، وبنى المسجد الذي على جبل عرفة ، والدرج التي يطلع فيها إليه . وكان الناس يعانون في صعود شدة ، وأجرى الماء إلى عرفات ، وعمل البرك والمصانع ، وأجرى الماء في قنوات ، وكان يعطى أهل مكة في كل سنة مالا عظيما ، ليجروا الماء إلى عرفات . وبنى على مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورا ، وكانت الأعراب تنهبها وتغير عليها . فكان الخطيب يقول على المنبر : اللهم صن حرم من صان حرم نبيك صلى اللّه عليه وسلم ، وهو محمد ابن علي الأصبهاني . وكانت صدقته وصلاته في المشرق والمغرب ، يبعث بها إلى خراسان والعراق والبصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والحجاز واليمن ، فيعم الفقهاء والعلماء والزهاد وأرباب البيوت وغيرهم . وما خيب من قصده . وكان له في كل يوم خارج عن أرباب البيوت : مائة دينار ، يتصدق بها على باب بنى شيبة ، ولأجل هذا الخرج العظيم ، كان ينسب إلى عمل الكيمياء ، وحوشى من ذلك وبنى الجسور والقناظر ، والربط ، والجسر الذي بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر ، بالحجر المنحوت والرصاص ، وأوثقه بالحديد بين البنيان . وبنى الرباط بالموصل وسنجار « 1 » ونصيبين . وكان إذا قل ما بيده باع بسط داره وثيابه ، ويتصدق بها . وكان يبعث إلى عمر الملا بالأموال فيتصدق بها . وكان قد وقع بالموصل قحط ، فكان يقول : هذه أيام المواساة .

--> ( 1 ) سنجار : هي برية الثرثار ، ومدينتها الحضر ، وهي كلها من الجزيرة ، وفي سنجار فوهة نهر الخابور ، ويمر حتى يصب في الفرات . انظر : معجم البلدان ( سنجار ) ، الروض المعطار 326 ، معجم ما استعجم 3 / 760 ، آثار البلاد 393 .