محمد بن أحمد الفاسي

291

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ذلك فيه جرحا ، ويرى بعضهم ذلك لا يجرحه ، لقلة الخطأ ووجود الضبط في الجملة ، إلى غير ذلك من الوجوه التي حصل بسببها الخلاف في الجرح ، وليس منها وجه فيه ما يدل على اتحاد زمن ذلك ، من قائل واحد في راو ، إنما ذلك لاختلاف الرأي في حال الراوي . واللّه أعلم . ويمكن تأويل ما في هذه الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربى - إن صح ثناؤه عليه - بأن يكون بين طعن ابن عبد السلام وثنائه عليه ، زمن يصلح فيه حال ابن عربى ، وليس في مثل ذلك تعارض . وما ذكر في الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربى ، على تقدير صحته . منسوخ بما ذكره ابن دقيق العيد عن ابن عبد السلام في ذمه لابن عربى . فإن ابن دقيق العيد لم يسمع ذلك من ابن عبد السلام إلا بمصر ، بعد موت ابن عربى بسنين ، لأن ابن دقيق العيد ، ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة ، ونشأ ببلدة قوص ، واشتغل بها في مذهب الشافعي وغيره من العلوم ، على ابن عبد السلام ، فبلوغه واشتغاله بالعلم في بلده ، ثم قدومه إلى القاهرة ، لا يكون إلا بعد سنة أربعين وستمائة ، وابن عربى مات في ربيع الآخر ، سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق ، وثناء ابن عبد السلام على ابن عربى المذكور ، كان في حياة ابن عربى ، بدليل ما فيها ، من أنه أراه لمن يسأله عن القطب أو الولي . وفي السنة التي مات فيها ابن عربى ، أو في التي بعدها ، كان خروج ابن عبد السلام من دمشق ، لتعب ناله من صاحبها ، الصالح إسماعيل بن العادل أبى بكر بن أيوب ؛ لأنه سلم قلعة الشقيف « 4 » للفرنج ، فأنكر ذلك عليه ابن عبد السلام ، فعزل ابن عبد السلام عن خطابة دمشق وسجنه ، ثم أطلقه ، وتوجه من دمشق إلى الكرك « 5 » ، فتلقاه صاحب الكرك ، الناصر داود بن المعظم عيسى ، وسأله أن يقيم عنده فلم يفعل ، واعتذر بأنها لا تسع نشر علمه ، فقصد مصر ، فتلقاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب

--> ( 4 ) قلعة الشقيف : قلعة حصينة في كهف من الجبل قرب بانياس من أرض دمشق . انظر : معجم البلدان ( الشقيف ) . ( 5 ) الكرك : هو من أعظم حصون النصارى معترض في طريق الحجاز وهو من القدس على مسافة يوم أو أقل ، وأهله يقطعون على المسلمين الطريق في البر وهو حصن ومعقل مشهور بناحية الشام . انظر : الروض المعطار في خبر الأقطار 202 ، 203 ، 492 ، 493 ، معجم البلدان ( الكرك ) .