محمد بن أحمد الفاسي

139

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وأتى مكة لعشر بقين من ذي الحجة ، فخطب الناس وقال : إني بلغني أن المأمون مات ، وكان له في عنقي بيعة ، وكانت فتنته عمت الأرض فبايعني الناس ، ثم إنه بلغني : أن المأمون حي صحيح ، وأنا أستغفر اللّه من البيعة ، وقد خلعت نفسي من بيعتي التي بايعتموني عليها ، كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي ، فلا بيعة لي في رقابكم . ثم نزل وسار سنة إحدى ومائتين إلى العراق ، فسيره الحسن بن سهل إلى مرو . فلما سار المأمون إلى العراق صحبه ، فمات بجرجان « 2 » . وفي تاريخ الذهبي - بعد أن ذكر قدوم الديباجة إلى مكة بالأمان - : فصعد عيسى ابن يزيد الجلودي المنبر بمكة ، وصعد دونه محمد بن جعفر عليه قباء أسود ، فخلع نفسه ، واعتذر عن خروجه : بأنه بلغه موت المأمون ، وقد صح عندي الآن أنه حي ، وأستغفر اللّه من فعله . ثم خرج به عيسى الجلودي إلى العراق ، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون وبقي قليلا . ثم مات في شعبان سنة ثلاث ومائتين . فصلى عليه المأمون ، ونزل في لحده ، وقال : هذه رحم قطعت من سنين . وقيل : إن سبب موته : أنه جامع ودخل الحمام ، وافتصد في يوم واحد ، فمات فجأة . كتبت هذه الترجمة من تاريخ ابن الأثير ، المسمى بالكامل ، وتاريخ الإسلام للحافظ الذهبي ، وجمعت بين ما ذكراه ، وكل منهما : ذكر ما لم يذكر الآخر . وقال في حقه ابن الأثير : وكان شيخا محببا في الناس ، مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة . وكان يروى العلم عن أبيه جعفر ، وكان الناس يكتبون عنه . وكان يظهر زهدا . فلما أتوه ، قالوا : نعلم منزلتك في الناس ، فهلم نبايع لك بالخلافة ، فإن فعلت لم يتخلف عليك رجلان . فامتنع من ذلك ، فلم يزل به ابنه على وحسين بن حسن الأفطس ، حتى غلباه على رأيه ، وأجابهم . فأقاموا في ربيع الآخر ، فبايعوه بالخلافة ، وجمعوا الناس فبايعوه طوعا كرها ، وسموه : أمير المؤمنين ، فبقى شهورا وليس له من الأمر شئ . انتهى . وبعض هذا ذكرناه فيما سبق .

--> ( 2 ) جرجان : بالضم ، وآخره نون ، وجرجان : مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان ، فالبعض يعدها من هذه والبعض يعدها من هذه . انظر : معجم البلدان 2 / 119 وما بعدها .