زكريا القزويني
67
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
الأصمعي : دخلت على الرشيد يوم الجمعة وهو يقلم أظفاره ، ويقول : قلم الأظفار يوم الجمعة من السنة « 1 » ، وبلغني أنه ينفي الفقر فقلت : يا أمير المؤمنين وأنت تخشى الفقر ؟ فقال : وهل أحد أخشى من الفقر مني . وفي الأثر : إن الملائكة يتفقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا فيقولون : ما فعل فلان ؟ وما الذي أخره عن وقته ؟ ثم يقولون : اللهم إن كان آخره فقر فأغنه ، وإن كان آخره مرض فاشفه ، وإن كان آخره شغل فأفرغه لعبادتك ، وإن كان آخره لهو فأقبل بقلبه على طاعتك . ( يوم السبت ) هو عيد اليهود ، قال الكلبي : أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يفرّغوا في كل أسبوع يوما للعبادة فأبوا أن يقبلوا إلا يوم السبت ، وقالوا : إنه يوم فرغ اللّه فيه من خلق الأشياء ، وزعموا أن الأمور التي تحدث في يوم السبت تستمر إلى السبت الآخر ، فلذلك امتنعوا فيه من الأخذ والعطاء ، والمسلمون يخالفونهم في ذلك ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « بورك لأمتي في بكور سبتها وخميسها » « 2 » .
--> ( 1 ) ومن هديه صلى اللّه عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره ، وقد اختلف العلماء هل هو أفضل أم يوم عرفة ؟ على قولين هما وجهان لأصحاب الشافعي ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي ، ألم تَنْزِيلُ ، و هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ، ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة ، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه الصورة استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة ، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعا لتوهم الجاهلين ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : إنما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة ؛ لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها ؛ فإنها اشتملت على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة ، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون ، والسجدة جاءت تبعا ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت فهذه خاصة من خواص الجمعة ، وفيه أيضا استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والأمر بالاغتسال في يومها أمر مؤكد ، والطيب والسواك وهو أفضل من غيره في بقية أيام الأسبوع ، وصلاة الجمعة هي من آكد فروض الإسلام ، ومن أعظم مجامع المسلمين في هذا اليوم ويجب الاشتغال بالصلاة والذكر ، والإنصات للخطبة واجب ، وقراءة سورة الكهف فهي له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة ، ويكره فيه الصلاة وقت الزوال . انظر : زاد المعاد ( 1 / 100 - 115 ) ، واللمعة في خصائص الجمعة للسيوطي ( 126 ) . ( 2 ) حديث ضعيف جدّا ، والصحيح منه ما أورده أصحاب السنن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم بارك لأمتي في بكورها » رواه الترمذي في البيوع برقم ( 6 ) ، وابن ماجة في تجارات ( 41 ) ، والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ( 1 / 154 ، 155 ) .