زكريا القزويني

6

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

أسبابا تأباها طباع الغبي الغافل ، ولا ينكره نفس الذكي العاقل ، فإنها وإن كانت بعيدة من العادات المعهودة والمشاهدات المألوفة لكن لا يستعظم شيء مع قدرة الخالق وجبلة المخلوق « 1 » . وجميع ما فيه : إما عجائب صنع البارئ تعالى ، وذلك إما محسوس أو معقول لا ميل فيهما ولا خلل ، وإما حكاية طريفة منسوبة إلى رواتها لا ناقة لي فيها ولا جمل ، وإما خواص غريبة وذلك مما لا يفي العمر بتجربتها ولا معنى لتركها كلها لأجل الميل في بعضها ، فإن أحببت أن تكون منها على ثقة فشمر لتجربتها ، وإياك أن تغتر أو تلم أو تمل إذا لم تصب في مرة أو مرتين فإن ذلك قد يكون لفقد شرط أو حدوث مانع ، وحسبك ما ترى من حال المغناطيس وجذبه الحديد فإنه إذا أصابه رائحة الثوم بطلت تلك الخاصية فإذا غسلته بالخل عاد إليه ، فإذا رأيت مغناطيسا لا يجذب الحديد فلا تنكر خاصيته فاصرف عنايتك إلى البحث عن أحواله حتى يتضح لك أمره ، على أني أشهد اللّه تعالى أن شيئا منها ما افتريته ، بل كتبت الكل كما علمته فإن نظرت إليها بعين الرضا ؛ فإنها عن كل عيب كليلة ، وإن نظرت بعين السخط ؛ فإن المساوئ كثيرة وعين الكريم عن المعائب عميا « 2 » وأذنه عن المساوئ صما ، وللّه در القائل : فقلت لهم لا تنسوا الفضل بينكم * فليس يرى عين الكريم سوى الحسن وسميته : عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات . ولا بد من ذكر مقدمات أربع في شرح هذه الألفاظ ليتبين منها مقصود الكتاب ، واللّه الموفق للصواب .

--> ( 1 ) جبلة المخلوق : أي طبيعته وخلقته . انظر مختار الصحاح مادة ( جبل ) . ( 2 ) وقد قيل : عين المحب عن كل عيب كليلة * وعين الحسود تبدي المساويا