زكريا القزويني
54
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
وذكر بطليموس : أن دائرة البروج أربعمائة وستة وثمانون ألف ألف ومائتان وتسعة وخمسون ألفا وسبعمائة وأحد وعشرون ميلا وسبع ميل ، فطول كل برج تسعة وثلاثون ألف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفا وثلاثمائة وعشرة أميال ونصف وسدس ميل ، وعرض كل برج ألف ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون ألفا وتسعمائة وثلاثة وأربعون ميلا وثلث ميل ، واللّه الموفق للصواب . ( النظر الحادي عشر : في فلك الأفلاك ) سمي بهذا الاسم ؛ لإحاطته بجميع الأفلاك وتحريكه كلها ، ويقال له : الفلك الأعظم ؛ لأنه أكبر الأفلاك ، يقال له : الفلك الأطلس ؛ لأنهم لم يعرفوا له كوكبا ، وحركة هذا الفلك من المشرق إلى المغرب على قطبين ثابتين ، يقال لأحدهما : القطب الشمالي ، والآخر : القطب الجنوبي ، وتتم دورته في أربع وعشرين ساعة ، وبحركته تتحرك الأفلاك كلها مع كواكبها ، وحركته أسرع من كل شيء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أن الشمس تتحرك بحركتها القسرية ، وهي حركة الفلك الأعظم في مقدار ما يرفع الإنسان قدمه للخطو إلى أن يضعها ثمنمائة فرسخ . ويشهد بصحة هذا ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام عن دخول وقت الصلاة فقال : لا نعم ، فسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله : لا نعم ، فقال : من وقت قلت لا إلى أن قلت نعم مرت الشمس خمسمائة فرسخ . وبحركة هذا الفلك يتكون الليل والنهار ، فإذا طلعت الشمس بدوارن هذا الفلك على جانب من الأرض أضاء جوها وأشرق سطحها وتحركت حيواناتها وربا نباتها وفاح نسيمها ، وإذا غابت بدوران هذا الفلك عن جانب من الأرض أظلم جوها واسود وجهها وسكنت حيواناتها وذبل نباتها ، فما دامت هذه الحركة محفوظة فهذه الحالة موجودة ، وأشار إليها بقوله تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ القصص : 73 ] . والحكماء سموها هذا الفلك محددا ؛ لاعتقادهم أن ليس وراء ذلك خلا وملا ، وقال أبو عبد اللّه محمد بن عمر الرازي بعد ما أظهر فساد القول بالمحدد : من أراد أن يكتال مملكة الباري تعالى بمكيال العقل فقد ضل ضلالا بعيدا . وقد أحب بعض السلف التوفيق بين الآيات والأخبار وقول الحكماء ، فزعم أن الكرسي هو الفلك الثامن الذي ذكرنا سعته وعجائبه ، والعرش هو الفلك التاسع الذي هو أعظم الأفلاك ،