زكريا القزويني
46
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
المستقبلة ، وما كان في هذه الثلاثة عشر يوما من مطر أو ريح أو حر أو برد فهو من نتوء ذلك النجم الساقط عند الحكماء ، ولهم أقوال طويلة في أحكام نزول النيرين . فأول هذه المنازل : ( الشرطين ) يقال لهما : قرنا الحمل ، ويسميان الناطح وبينهما في رأي العين قاب قوسين ، وإذا حلت الشمس بها اعتدل الزمان واستوى الليل والنهار ، وطلوعهما لست عشرة ليلة تخلو من نسيان ، وسقوطهما لثماني عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول ، وحلول الشمس بهما لعشرين ليلة تخلو من أدار ، وكلما نزلت الشمس الشرطين فقد مضت سنة ، وإنما سميا شرطين ؛ لأنهما علامة دخول أول السنة وفي نوء الشرطين يطيب الرمان وتكثر المياه وتنعقد الثمار ويحصد الشعير ورقيب الشرطين الغفر . ( البطين ) يقال له : بطن الحمل وهي ثلاثة كواكب خفية كأنها أثافي ، وهذه صورتها ، وهو بين الشرطين والثرياء وطلوعه لليلة تبقى من نيسان ، وسقوطه لليلة تبقى من تشرين الأول ، وعند سقوطه يرتج البحر فلا تجري فيه جارية ، ويذهب الحداء والرخم والخطاطيف إلى الغور ، ويستكن النمل ، وتقول العرب : إذا طلع البطين فقد اقتضى الدين ، وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون : ما أوتي البطين والدبران أو أحدهما ، وكان لنوئه مطر إلا كاد أن يكون ذلك العام جديبا ، وقالوا : إنه أشر الأنواء وأقلها مطرا وفي نوئه يجف العشب ، ويتم حصاد الشعير ، ويأتي أول حصاد الحنطة ، ورقيب البطين الزبانا . ( الثريا ) ويقال له : النجم وهو أشهر هذه المنازل وهي ستة أنجم وهي هذه : وفي خلالها نجوم كثيرة خفية ، والعرب تقول : إن طلع النجم غدية ابتغى الراعي كسية ، وطلوعها لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار ، وسقوطها لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الآخر ، والثريا تظهر في المشرق عند ابتداء البرد ثم ترتفع في كل ليلة حتى تتوسط مع غروب الشمس ، وفي ذلك الوقت أشد ما يكون البرد ، ثم تنحدر عن وسط السماء ؛ فتكون في كل ليلة أقرب من أفق المغرب إلى أن يهل الهلال معها ، ثم تمكث يسيرا وتغيب نيفا وخمسين ليلة ، وهذا المغيب هو استسرارها ثم تبدو بالغداة من المشرق في قوة بالحر ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا طلع النجم لم يبق من العاهة شيء » أراد عاهات الثمار ؛ لأنها تطلع بها بالحجاز وقد أزهر البسر . وأما نوؤها فمحمود ، وهو خير نجوم الوسمي ؛ لأن مطره في الوقت الذي فقدت الأرض فيه الماء ، فإذا طلعت الثريا ارتج البحر واختلفت الرياح وسلط اللّه الجن على المياه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من ركب البحر بعد طلوع الثريا فقد برئت منه الذمة » ، وفي نوء الثريا تتحرك