زكريا القزويني
387
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
ومن العجيب أن اليعسوب لا يخرج من الكور ؛ لأنه إن خرج خرج معه جميع النحل فيقف العمل ، وإن هلك اليعسوب وقفت النحل لا تعمل شيئا فتهلك عاجلا ، واليعسوب أكبر جثة يكون بقدر نحلتين وهو يأمرهم بالعمل يرتب على كل أحد ما يليق به ، يأمر بعضها ببناء البيت ، ويأمر بعضها بعمل العسل ، ومن لا يحسن العمل يخرجها من الكور ولا يخليها في وسط النحل ، وينصّب بوابا على باب الخلية ؛ ليمنع دخول ما وقع على شيء من القاذورات . ( وأما ) اتخاذ بيوتها مسدسة فمن أعجب الأشياء ، والغرض من المسدسات المتساوية الأضلاع لخاصية يقصر فهم المهندس عن إدراكها ، ولا توجد تلك الخاصية في المربع وفي المخمس ولا في المستدير ، وهي أن أوسع الأشكال وأجودها المستدير وما يقرب منه ، أما المربع فيخرج منه زوايا ضائعة ، وشكل النحل مستدير فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى خالية ، ولو بناها مستديرة لبقي خارج البيت فرج ضائعة ؛ فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لا تجتمع متراصة ولا شكل من الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا تبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس ، فانظر كيف ألهمها اللّه تعالى ذلك وجعل لها اتخاذ هذه الأشكال المتساوية الأضلاع بحيث لا يزيد ضلع على ضلع ولا ينقص ، ويعجز عن هذا التساوي المهندس الحاذق بالفرجار والمسطرة فتعمل النحل في فصلين في الربيع والخريف ، فتأخذ بالأيدي والأرجل من ورق الأشجار وزهر الثمار والرطوبات الدهنية التي تبني به بيوتا ، ولها شفران حادان تجمع بهما من ثمرة الأشجار رطوبات . ( لطيفة ) عجزت عقول الأكثرين عن معرفتها على طبائع ، وخلق في جوفها قوة طابخة تصير تلك الرطوبات عسلا حلوا لذيذا غذاء لها ولأولادها ، وما فضل عن غذائها تجعله مخزونا في بعض البيوت ، وتغطي رأسها بغطاء رقيق من الشمع حتى يكون الشمع محيطا به من جميع جوانبه كأنه رأس البرنية مسدودة بالقراطيس وآخر ذلك الوقت الشتاء . وتبيض في بعض البيوت وتحضن وتفرخ وتأوي إلى بعض بيوتها ، وتنام فيها أيام الصيف والشتاء ويوم المطر والريح والبرد ، وتتقوت من ذلك العسل المخزون هي وأولادها يوما فيوما لا إسرافا ولا تقتيرا إلى أن تنقضي أيام الشتاء ، ثم تأتي أيام الربيع ويطيب الزمان ويخرج النّور والزهر فترعى منه وتفعل كما فعلت في العام الأول ، ولم يزل هذا دأبها بإلهام من اللّه تعالى ، كما قال : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [ النحل : 68 ،