زكريا القزويني

366

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

والسهول والبراري فإن في كل بقعة من هذه البقاع ألوانا من المخلوقات مخالفة لما في البقعة الأخرى . ومن الناس من يقول : أي فائدة في هذه الهوام مع كثرة ضررها ؟ ولم يدر أن اللّه تعالى يراعي المصالح الكلية كإرسال المطر فإن فيه مصالح البلاد والعباد وإن كان فيه خراب بيت العجوز ؛ فهكذا خلق هذه الحشرات من المواد الفاسدة والعفونات الكامنة لتصفو لحومها ولا يعرض لها الفساد الذي هو سبب الوباء وهلاك الحيوان والنبات ، وإن كان يتضمن لسع الذباب ، والبق . والذي يحقق ذلك أنا نرى الذباب والديدان والخنافس في دكان القصّاب والدباس أكثر ما يرى في دكان البزار والحداد الوباء ، ثم جعل صغاره مأكولا لكبارها وإلا امتلأ وجه الأرض منها فليس في ملكوته ذرة إلّا وفيها من الحكمة ما لا يحصى . وأعجب من هذا أن كل ما جعل سببا لهلاك حيوان جعل لحمه سببا لدفع ذلك السم فإن الأطباء الأقدمين جعلوا في لحم الحية قوة تقاوم سمها فأدخلوا لحمها في الترياق . والتجربة تشهد أن من لدغه العقرب يلطخ الموضع برطوبة العقرب يسكن ألمها في الحال . ثم إن هذا النوع من الحيوانات يختلف حالها عند الشتاء ؛ فمنها ما يموت من برد الهواء كالديدان والبق والبراغيث ، ومنها ما يكمن في الشتاء ولا يأكل شيئا كالحيات والعقارب ، ومنها ما يدخر ما يكفيه لشتائها كالنحل والنمل ؛ فإنها لا تعيش بلا طعم . ولنذكر بعضها مرتبا على حروف المعجم إن شاء اللّه تعالى ، واللّه الموفق للصواب . حرف الألف ( أرضه ) دودة بيضاء صغيرة تبني على نفسها أزجا شبه دهليز ؛ خوفا من عدوها كالنمل وغيره وإذا أتت عليها سنة بنبت لها جناحان طويلان تطير بهما ، وهي التي دلت الشياطين على موت سليمان عليه السلام وإذا خرب أزجها اجتمعت كلها على إعادته ، ولها مشفران حادان تثقب بهما الحجارة والآجر والنمل عدوها ، وهي أصغر من الأرضة جثة فيأتي من خلفها ويحملها ويمشي بها إلى جحره وإذا أتاها مستقبلا لها لا يغلبها ؛ لأنها تقاومه .