زكريا القزويني
363
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
( نعامة ) حيوان مركب من خلقة الطير والجمل « 1 » يقال له بالفارسية : استرموع ، أخذ من البعير العنق والوظيف والمنسم ، ومن الطير المنقار والجناح والريش وهو صحيح حاسة الشم والسمع ، يأكل الحصاة وتذوب في قانصته حتى يصير كالماء لخاصية خلقها اللّه تعالى فيه ، كما أنا نرى جوف الكلب يذيب العظام دون النوى ، وأيضا تبلع الجمر ولا يضرها وتحمي صنجة مائة درهم من الحديد حتى تحمر وترمى إلى النعامة فتبلعها وتستمرئها . وإذا باضت تدفن البيضة تحت التراب ؛ لئلا يقع عليها الذباب والبق والنمل وغيره وإذا عدت النعامة أرخت جناحها إلى رجليها فلا يسبقها شيء من الحيوانات ، ومن العجب أنها إذا استقبلت الريح كان عدوها أشد مما إذا استدبرتها . وسئل أبو عبيدة عن ذلك فقال : إذا عدا كان بين الوثب والحفز والطيران كالريح إذا عصفت من خلفه ، وإذا استقبلها وضع عنقه على ظهره ثم خرق الريح لا يخاف أن يكبه على وجهه . وإذا دخل الصيف وابتدأ البسر بالحمرة ابتدأ لون النعامة بالحمرة أيضا ولا يزالان يزدادان حمرة إلى أن تنتهي حمرة البسر ، ولا مخ لعظمها فإذا أصاب إحدى رجليها آفة وقفت لا تقوم على الأخرى ، وإذا باضت تبيض عشرين بيضة أو أكثر فتجعلها ثلاثة أقسام تدفن ثلثها في التراب ، وتترك ثلثها في الشمس ، وتحضن ثلثها فإذا خرجت أفراخها كسرت ما كان في الشمس وغذتها بما فيها من الرطوبات التي ذوّبتها الشمس ورققتها . فإذا اشتدت فراريجها وقويت أخرجت المدفون ، وفتحت لها ثقبا فيجتمع عليها الذباب والبق والنمل وغيرها من الهوام فتأكلها فراريجها إلى أن تقوى فغدت ورعت . فانظر إلى هذه التربية العجيبة من غير تعليم من أستاذ ولا آباء ، فسبحانه من حكيم ما أعظم شأنه .
--> ( 1 ) يضرب بها المثل يقال : ( فلان شالت نعامته ) أي : مات وجاء كالنعامة أي : رجع خائبا .