زكريا القزويني
304
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
عرفت ذلك بالطب وحده بل بالطب والفراسة فقال له كيف عرفت بالفراسة ؟ قاله له إني لما دخلت دار المريض رأيت على سطح الدار سقاطات الفواكه ، ثم رأيت في وجه المريض انتفاخا وفي النبض لينا وفي التفسرة غلظا وفجاجة ، وعلمت أن الفاكهة إذا حضرت عند المريض لا يصبر عنها ، فظهر لي من هذه الشواهد أنه تناول الفاكهة وما جزمت بها ، بل قلت : لعلك أكلت ، وفي اليوم الثاني : رأيت على باب الدار ريش الفروج وفي النبض امتلاء وفي الرسوب غلظ فعرفت أن الفروج لا يأكله إلا المريض غالبا فظهره بهذه الشواهد وما جزمت به بل قلت : لعلك فعلت هذا ، فسمع ابنه هذا الكلام فأحب أن يسلك مسلك أبيه ، فدخل على مريض وجس نبضه وشاهد تفسرته فقال له : لعلك أكلت لحم حمار فقال المريض : حاشا وكلا كيف يؤكل لحم الحمار أيها الطبيب ، فخجل ابن الطبيب وخرج فانتهى ذلك إلى أبيه ، فأحضره وسأله كيف عرفت أنه أكل لحم الحمار فقال : لأني رأيت في دارهم برذعة فعلمت أنها لا تكون إلا للحمار ثم قلت : لو كان الحمار حيا لكانت برذعته عليه وإذا لم يكن حيا فإنهم ذبحوه وأكلوه ، فقال أبوه : لو كان شيء من هذه المقامات صحيحا ، لرجوت فيك النجابة ، ولكن المقدمات كلها فاسدة ، وطمع النجابة فيك محال ، ونعم ما قال : فلا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع . ( وحكي ) أن أبا حنيفة رضي اللّه تعالى عنه : كان جالسا يذكر الدروس فدخل عليه شخص ذو هيئة فلما بدأ قال لأصحابه : تثبتوا كيلا يأخذ عليكم هذا الرجل شيئا ، فلما جلس وأبو حنيفة رحمة اللّه عليه يذكر أوقات الصلاة قال : أما الصبح فوقته من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس ، فإذا طلعت الشمس زال وقتها ، فقال ذلك الرجل : فإن طلعت الشمس قبل الفجر كيف يكون حكمها ؟ فالتفت أبو حنيفة إلى أصحابه وقال : كونوا كما شئتم فإن الأمر على خلاف ما حسبنا . ( وحكي ) أن معاوية بن مروان ضاع له باز فقال أغلقوا باب المدينة كيلا يخرج . ( وحكي ) أن الوزير أبا السعادات خطأ الفرس تحته فأمر بقطع قضيبه فقيل له في ذلك ، فقال أعطوه ، ولكن لا تعرفوه أني علمت ذلك . ( أما القسم الثالث ) وهو علم التجارب والرسوم والعادات فتفاوت الناس فيه ظاهر ويدل عليه حكايات : منها ما حكي أن أبا النجم العجلي دخل على هشام بن عبد الملك وأنشد أرجوزته التي أولها : الحمد للّه الواهب المجزل وهي من أجود شعره أصغى إليه إلى أن انتهى إلى قوله : والشمس في الجو كعين الأحول ، فغضب هشام وكان أحول وأمر بصفعه وإخراجه .