زكريا القزويني

3

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

1 [ مقدمة المؤلف ] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . العظمة لك ، والكبرياء لجلالك ، اللهم يا قائم الذات ويا مفيض الخيرات ، واجب الوجود ، وواهب العقول ، وفاطر الأرض والسماوات ، مبدئ الحركة والزمان ، ومبدع الخير والمكان ، فاعل الأرواح والأشباح وجاعل النور والظلمات ، محرك الأفلاك ومزينها بالثوابت والسيارات ، ومقر الأرض وممهدها لأنواع الحيوان وأصناف المعادن والنبات ، دام حمدك وجل ثناؤك وتعالى ذكرك وتقدست أسماؤك ، لا إله إلا أنت وسعت رحمتك وكثرت آلاؤك ونعماؤك ، أفض علينا أنوار معرفتك ، وطهر قلوبنا عن كدورات معصيتك ، وأمطر علينا سحائب فضلك ومرحمتك ، واضرب علينا سرادقات عفوك ومغفرتك ، وأدخلنا في حفظ عنايتك ومكرمتك ، وصل على ذوي الأنفس الطاهرات ، والمعجزات الباهرات ، خصوصا على سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين « محمد » بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم ، الذي اخترته للنبوة وآدم بين الماء والطين ، وأرسلته رحمة للعاملين ، أيدته بنصرك وبالمؤمنين ، وختمت به الأنبياء والمرسلين ، وعلى إخوانه من النبيين والصالحين وآله وصحبه أجمعين . يقول العبد الأصغر زكريا بن محمد بن محمود القزويني تولاه اللّه بفضله ، وهو من أولاد بعض الفقهاء الذين كانوا موطنين بمدينة قزوين وينتهي نسبه إلى أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لما حكم اللّه تعالى ببعد الدار والوطن ومفارقة الأهل والسكن ، أقبلت على مطالعة الكتب على رأي من قال : « وخير جليس في الزمان كتابي » وكنت مستغرقا بالنظر في عجائب صنع اللّه تعالى في مصنوعاته ، وغرائب إبداعه في مبتدعاته ، كما أرشد اللّه سبحانه إليه حيث قال تعالى : « أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ ق : 6 ] ليس المراد من النظر تقليب الحدقة نحوها فإن البهائم تشارك الإنسان فيه . ومن لم ير من السماء إلا زرقتها ، ومن الأرض إلا غبرتها فهو مشارك للبهائم في ذلك ، وأدنى حالا منها وأرشد غفلة كما قال تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها إلى أن قال أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] والمراد من هذا النظر التفكير في المعقولات ، والنظر في المحسوسات والبحث عن حكمتها وتصاريفها ليظهر له حقائقها ، فإنها سبب اللذات الدنيوية والسعادات الأخروية ؛ لهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم أرني الأشياء كما هي » ، وكلما أمعن النظر فيها