زكريا القزويني

298

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

130 النظر الخامس في القوي القوى صنف من الملائكة خلقها اللّه تعالى لتدبير الأبدان وقوام منافع أعضائها من الأفعال والإدراكات ، فتشبه أفعالها فيها أفعال صناع البلاد وسكانها ، فإن حال البدن مع الروح وهذه القوة تشبه مدينة عامرة بآلاتها مأنوسة بسكانها ، مفتوحة الأسواق مسلوكة الطرقات مشتغلة الصناع ، وحاله عند النوم وهذه الحواس وسكون الحركات تشبه حال المدينة بالليل إذا غلقت أبوابها ، وتعطلت صناعها ونام أهلها . ومنهم من قال إن البدن كبيت بنقوش وصور عجيبة ، وألوان مختلفة فالقوى تلك النقوش ، والصور والنفس كالسراج الذي يدار في أطراف البيت ، وبسبب وصول ضوئه إلى آخر البيت يرى له في سقفه وحيطانه وفرشه عجائب يبينهن فيها ، بل في كل زاوية من زواياه مثل الحس والعقل والفهم ، والقوى الظاهرة والباطنة والجمال وغيرها ، فإذا فارق النفس بطلب هذه المعاني كما أن البيت عند انطفاء السرج لا يرى لتلك النقوش والصور أثر عجائب القوى خارجة عن فهم الإنسان ، لكن أحببت أن أذكر بعض ما أدركه أذكياء النفوس من الحكماء من العجائب المودعة في الأنواع الأربعة من القوى ، واللّه الموفق للصواب . ( النوع الأول : القوى الظاهرة ) وهي الحواس الخمس . ( الأولى : حاسة اللمس ) وهي قوة منبثة في جميع جلد البدن تدرك ما يلاقيه ويؤثر فيه ، فإنها أول حاسة خلقت للحيوان حتى إذا مسه نار أو حديد جارح يحس به فيهرب منه ، ولا يتصور حيوان إلا وله هذه الحاسة حتى الدودة التي في الطين فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت . ( الثانية : الشم ) وهو قوة في مقدمة الدماغ تدرك الروائح التي يؤدي إليها الهواء المتكيف بتلك الكيفية . ( الثالثة : البصر ) وهو قوة مركبة في عصبة مجوفة في العين تدرك صور الأشياء ذوات الأضواء والألوان ، فإن الضوء إذا سرى في الأجسام الشفافة وحمل معه ألوان الأجسام واتصل بحدقة الحيوان ، وسرى فيها كما يسري في الأجسام الشفافة ، انصبغت الحدقة بتلك الألوان كما ينصبغ الهواء بالضياء ، فعند ذلك تحس القوة الباصرة .