زكريا القزويني

277

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

فإن رأيت شيئا يكون بينه وبين المسؤول مناسبة أو مشابهة أجبت على وفق ذلك ، فإنك لما سألتني رأيت قربة فيها ماء مع رجل سقاء فقلت : السؤال عن محبوس ، ولما سألتني ثانيا : رأيت تلك القربة بعينها قد أفرغت وألقاها الرجل السقاء على منكبه فقلت : يخرج ويخلع عليه ، واللّه أعلم بغيبه . 84 النظر الثالث في تولد الإنسان اعلم : أن الغذاء إذ ورد المعدة وأثرت فيها القوة الهاضمة تصفيه وتجذب ما فيه إلى الكبد يقسمه على جميع البدن ، وما فضل من الغذاء في الهضم الأخير يبعث إلى النخاع ، ومن النخاع إلى الأشبين فيستحيل فيهما إلى طبيعة المني يدغدغ ويهيج اضطراب القدم ، فلا يسكن إلا بنفض تلك المادة فيكون ذلك سبب اجتماع الذكر والأنثى ، فإذا حصلت النطفة في الرحم صار نطفة الذكر والأنثى ممتزجين على شكل كرة فتنعقد عليها بحرارة الرحم قشرة رقيقة ما ترى في العجين إذا وضع في شيء حار ، وتتشبث بها أفواه العروق التي يرد منها دم الحيض إلى الرحم ، ثم إن القوة المصورة بإذن اللّه تعالى تجمع دهنية النطفة فتأخذ منها حصة إلى الوسط إعدادا للقلب ، ومن عن يمينه حصة للكبد ومن أعلاه حصة للدماغ ، ثم تخلق السرة متصلة بوريد وشريان وهذا يتم في ستة أيام ، ثم تأخذ في التخطيط والتنقيط ويتم ذلك إلى خمسة عشر يوما ، ثم ينفذ دم الحيض في جميع الكرة فيصير علقة وبعده بإثنى عشر يوما تصير الرطوبة لحما متميزا الأجزاء وتمتد رطوبة النخاع فإنه أساس البدن ، وبعده بسبعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف من الضلوع والبطن إلى أربعين يوما ، ثم يظهر عظامه وتكسى العظام باللحم المتولد من دم الحيض ، كما قال اللّه تعالى : ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 13 - 14 ] . 85 فصل في وضع الجنين في الرحم قال بقراط : إنه جالس ورأسه على ركبتيه وعضده ملتصقتان بأضلاعه ويداه حاملتان لرأسه ، ورأسه نحو رأس الأم ورجلاه نحو رجليها ، مقبوض الأعضاء على غاية ما يمكن من الهندام ، ووجهه إلى صلب حاملته وصلبه إلى مراقها ، وكونه على هذا الوضع بعناية اللّه عز وجل ، وذلك أن الرأس أثقل من سائر الأعضاء فاحتيج إلى ما يحمله فأسنده بالركبتين والركبتان ضعيفتان رطبتان خفف عنهما بأن عاونتهما اليدان في الحمل ، وصير الوجه إلى جانب صلبها