زكريا القزويني

269

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

81 النوع الأول : في حقيقة الإنسان . والنظر فيه في أمور النظر الأول في حقيقة الإنسان اعلم : أن الإنسان مجموع مركب من النفس والبدن وأنه أشرف الحيوانات وخلاصة المخلوقات ، ركبه اللّه تعالى في أحسن صورة روحا وبدنا وخصصه بالنطق والعقل سرا وعلنا ، وزين ظاهره بالحواس والحظ الأوفى وباطنه بالقوى ما هو أشرف وأقوى ، وهيأ للنفس الناطقة الدماغ وأسكنه أعلى محل وأوفق رتبة وزينه بالفكر والذكر والحفظ ، وسلط عليه الجواهر العقلية ؛ لتكون النفس أميره ، والعقل وزيره ، والقوى جنوده ، والحس المشترك مريده ، والأعضاء خدمه ، والبدن محل مملكته والحواس يسافرون في جميع الأوقات في عالمهم ويلتقطون الأخبار الموافقة والمخالفة . ويعرضونها على الحس المشترك الذي هو واسطة بين النفس والحواس على باب المدينة وهو يعرضها على القوة العقلية لتختار ما يوافق وتطرح ما يخالف . فمن هذا الوجه فالإنسان عالم صغير ومن حيث إنه يتغذى وينمو قالوا : نبات . ومن حيث إنه يحس ويتحرك قالوا : حيوان . ومن حيث إنه يعلم حقائق الأشياء قالوا : ملك فصار مجمعا لهذه المعاني ، فإذا صرف همه إلى جهة من هذه الجهات ليلتحق بها فإن كان قد صرف همته إلى الجهة الطبيعية فيكون راضيا من أمر دنياه بالتغذي وتنقية الفضول ، وإن كان إلى الحيوانية فيكون إما غضوبا كسبع ، أو أكولا كبقر ، أو شرها كخنزير ، أو جزعا ككلب ، أو حقودا كجمل ، أو متكبرا كنمر ، أو ذا روغان كثعلب ، أو يجمع هذا كله فيكون شيطانا مريدا . وإن كان صرف همته إلى الجهة الملكية فيكون متوجها إلى العالم الأعلى ولا يرضى بالمنزل الأسفل والمربع الأدنى ، فيكون مرادا من قوله عز وجل : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [ الإسراء : 70 ] واللّه الموفق للصواب . 82 النظر الثاني : في النفس الناطقة قالوا : هو كما أول النفس الطبيعي إلى جهة ما يعقل من الأمور الكلية . واعلم : أن الإنسان حال ما يكون شديد الاهتمام بالشيء يقول : قلت : كذا ، وفعلت كذا ، وهو في هذه الحالة عالم بذاته غافل عن جميع أعضائه الظاهرة والباطنة ، والمعلوم في هذه الحالة هو النفس وإنه متقلد لهذه التكاليف متعرض لخطر الثواب والعقاب ، باق بعد الموت إما في نعيم وسعادة كما قال اللّه تعالى : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ [ آل عمران : 169 ] وإما في جحيم وشقاوة كما قال عز من قائل : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] . وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم