زكريا القزويني

212

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

76 القسم الثالث : في الأجسام الدهنية زعموا أن الرطوبات المختفية تحت الأرض تسخن في الشتاء وتبرد في الصيف ؛ لأن الحرارة والبرودة ضدان فلا يجتمعان في مكان واحد ، فإذا جاء الشتاء برد الجو وفرت الحرارة إلى باطن الأرض ، فمنها مواضع دهنية فاكتسبت الرطوبات المنصبة إلى تلك المواضع بواسطة الحرارة منها دهنية ، فإذا أصابها نسيم الهواء أو برودة الجو غلظت ، فربما انعقدت وربما بقيت على معادنها ، فتصير كبريتا أو زئبقا أو قيرا أو نفطا أو ما شابهه ، وذلك بحسب اختلاف البقاع وتغيرات الأهوية بحرارة المعدن ونضجه إياها وتصفيتها مرة بعد أخرى . فإذا اختلط الكبريت والزئبق مرة أخرى وتمازجا والتأثير بحالة تركب من امتزاجهما الجواهر المعدنية بأنواعها كما ذكرناه قبل ، فلا نعيده ، ونذكر تولد كل واحد منها مع بعض خواصها ، واللّه الموفق . ( وأما الزئبق ) فإنه يتولد من أجزاء مائية اختلطت بأجزاء أرضية لطيفة كبريتية اختلاطا شديدا ، لا يتميز أحدهما عن الآخر ، وعليه غشاء ترابي ، فإذا اتصلت إحدى القطعتين بالأخرى انفتح الغشاء وسارت القطعتان واحدة والغشاء محيط بهما ، وأما بياضه فسبب صفاء ذلك الماء ، وهو التراب الكبريتي الذي ذكرناه . قال أرسطو : الزئبق فضة إلّا أنه دخل عليه آفة في معدنه كما ذكرنا آفات الرصاص أنها آفات الزئبق أيضا ، ومن طلى بدنه بالزئبق قتل عنه القمل والصئبان والقراد ، وتراب الزئبق يقتل الفأر إذا جعل في طعام أو نحوه ، ومن دنا من الزئبق إذا مسّته النار أفلجه ، ودخانه يحدث أسقاما رديئة ، مثل : الرعدة والفالج وذهاب السمع وصفرة اللون والرعشة في الأعضاء والبخر في الفم ويبس الدماغ ، ومن دخانه تهرب الحيات والهوام جميعا ، ومن أقام عنده مات ، وإن طرح من الزئبق في تنور الخباز سقط جميع خبزه في النار ، والمسافر يتقلد بقلادة من صوف ملطخة بالزئبق المقتول ، فإنه لا يتولد في ثوبه قمل أصلا . ( وأما الكبريت ) فإنه يتولد من أجزاء مائية وهوائية وأرضية ، إذا اشتد اختلط بعضها بالبعض ؛ بسبب حرارة قوية ونضج تام حتى يصير مثل الدهن ، ثم ينعقد بسبب برودة ضربته .