زكريا القزويني

181

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

72 [ ثم يتصدّى النظر في الكائنات : وهي الأجسام المتولدة من الأمهات ] فنقول : الأجسام المتولدة من الأمهات ، إما أن تكون نامية أو لم تكن فهي المعدنيات ، وإن كانت فهي الحيوانات ، زعموا أن أول ما يستحيل إليه الأركان الأبخرة والعصارات ؛ فالبخار : ما يصعد من لطائف مياه البحار والآجام والأنهار من تسخين الشمس ، والعصارات : ما ينجلب في باطن الأرض من مياه الأمطار ويختلط بالأجزاء الأرضية ويغلظ وتنضجها الحرارة المستبطنة في عمق الأرض فتصيرها مادة للنبات والمعادن والحيوان ، وإنها متصلة بعضها ببعض بترتيب عجيب ونظام بديع ، تعالى صانعها عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا . فأول مراتب هذه الكائنات تراب ، وآخرها نفس ملكية طاهرة ، فإن المعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء ، وآخرها بالنبات ، والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان ، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره بالإنسان ، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الملكية ، واللّه تعالى أعلم بالصواب . 73 النظر الأول : في المعدنيات هي أجسام متولدة من الأبخرة والأدخنة تحت الأرض ، إذا اختلطت على ضروب من الاختلاطات مختلفة في الكمّ والكيف « 1 » ، وهي إما قوية التركيب أو ضعيفة التركيب ، وقوية التركيب إما أن تكون متطرفة أو لم تكن متطرفة ، وهي الأجساد السبعة ؛ أعني : الذهب ، والفضة ، والنحاس ، والرصاص ، والحديد ، والأسرب ، والخارصين ، والتي لا تكون متطرفة فقد تكون في غاية اللين كالزئبق ، وقد تكون في غاية الصلابة كالياقوت ، والتي تكون في غاية الصلابة قد تنحل بالرطوبات ، وهي الأجسام الذهبية كالزرنيخ والكبريت .

--> ( 1 ) فكر في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة الألوان كمثل : الجص ، والكلس ، والجير ، والجبصين ، والزرنيخ ، وغير ذلك مما يستعمله الناس في مآربهم ومصالحهم ، وكيف اختلف طبائعها وألوانها وأحوالها ؟ فمنها ما هو سم قاتل ، ومنها ما ينفع من السم ويقطعه ، ومنها ما يقويه ويزيل في فعله ، فهل يخفى على ذي عقل أن هذه كلها ذخائر ذخرت للإنسان في هذه الأرض ؛ ليستخرجها فيستعملها عند حاجته إليها ؟ انظر : الدلائل والاعتبار ( 16 ) .