زكريا القزويني
168
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
( نهر مهران ) بالسند عرضه كعرض جيحون يقبل من المشرق إلى المغرب حتى يقع في بحر فارس أسفل الهند ، قال الأصطخري « 1 » : مخرجه من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون ، ويظهر بملطان ثم على المنصورة ثم يقع في البحر وهو نهر كبير جدّا ماؤه عذب فيه تماسيح كما في النيل وإنه يرتفع ويمتد على وجه الأرض ، ثم ينصب فيزرع عليه مثل ما يزرع على النيل بأرض مصر . قالوا : إن تماسيح هذا النهر أصعب من تماسيح النيل وأصغر . ( نهر مكران ) عليه قنطرة من الحجر قطعة واحدة من عبر عليها يتقيأ جميع ما في بطنه بحيث لا يبقى فيه شيء ، ولو كانوا ألوفا كان هذا حالهم فمن أراد من الناس القيء عبر على تلك القنطرة . ( نهر النيل ) ليس في الدنيا نهر أطول من النيل لأنه مسيرة شهر في بلاد الإسلام وشهرين في بلاد النوبة ، وأربعة أشهر في الخراب إلى أن يخرج ببلاد القمر خلف خط الاستواء . وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال ويمد في شدة الحر ، حين ينقص الأنهار كلها ويزيد بترتيب وينقص بترتيب غيره « 2 » . وسبب مده أن اللّه تعالى يبعث الريح الشمال فيقلب عليه البحر المالح فيصير كالسكن له ؛ فيزيد فيعم الربا والتلال ويجري في الخلجان حتى يملأها ، فإذا بلغ الحد الذي هو تمام الري وحضر زمان الحراثة بعث اللّه الريح الجنوب فأخرجته إلى البحر وانتفع الناس بما أروى من الأرض . ولما كان زمان يوسف عليه السلام اتخذ مقياسا يعرف به قدر الزيادة والنقصان فيزرعون عليه ، فإذا زاد على قدر كفايتهم يستبشرون بخصب السنة وسعة الرزق ، وذلك المقياس عمود قائم في وسط بركة على شاطئ النيل لها طريق إلى النيل يدخلها الماء إذا زاد وعلى ذلك العمود ، خطوط معروفة عندهم يعرفون بوصول الماء إليه مقدار زيادته ؛ فأقل ما يكفي أهل مصر لسنتهم أن يزيد أربعة عشر ذراعا فإن زاد ستة عشر ذراعا زرعوا ما يفضل عن عامهم ، وأكثر ما يزيد ثمانية عشر ذراعا ، والذراع أربعة وعشرون أصبعا .
--> ( 1 ) الإصطخري : أحد علماء الجغرافيا العرب المشهورين . ( 2 ) لا شك أن نهر النيل خيراته كثيرة جدّا لا تحصى ولا تعد ، وأنه شريان الحياة لجميع البلاد التي يمر بأراضيها ، وقد سبق ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « النيل والفرات ينبعان من الجنة » .