زكريا القزويني

152

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

فعند ذلك صعد الشيخ بين أيدينا ، وصعدنا خلفه ، وأوقعنا على موضع فبالغنا في حفره حتى انكشف لنا عن بيت منقور من الحجارة ، وفيه تمثال على صورة عجيبة يضرب بمطرقة على أعلاه ساعة بعد ساعة ، من غير فتور ، فاستخبرنا الشيخ عن شأنه ، فقال : هذا طلسم لبوراسف المحبوس هاهنا ؛ لئلا ينحل من وثاقه . ثم أمرنا أن لا نتعرض للطلسم ، وأن نرده إلى ما كان ففعلنا ، ثم دعا بسلالم أطول ما يكون ، فأمر الأمير بإحضارها ؛ فشد بعضها إلى بعض حتى بلغ مقدار مائة ذراع ، ثم رفعها ونقب موضعها ؛ فظهر باب فوصلنا إلى أسكفته وعليها مسامير من حديد مذهبة ، كأن الصانع قد فرغ منها عن قريب . وفوق الأسكفة كتاب بالذهب تنطق بأن على هذه القبة سبعة أبواب من حديد ، على كل باب مصراع أربعة أقفال من حديد ، وعلى العضادة مكتوب : هذا حيوان له أمد إلى غاية ، لا يتعرض أحد لهذه الأبواب ؛ فإن من فتحه يهجم على هذا الإقليم آفة لا تدفع . فقال الأمير : لا يتعرض أحد لشيء من هذا حتى أستأذن الخليفة ، فأمر برد البيت على ما كان ، واستأذن الخليفة فيه ، فكتب المأمون أن يترك ذلك على حاله ، واللّه تعالى الموفق للصواب . ( جبل ربوة ) على فرسخ من دمشق ، ذكر بعض المفسرين أن المراد بقوله تعالى : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ [ المؤمنون : 50 ] هو جبل عال على قلته مسجد حسن ، وهو في بعض البساتين من جميع جوانبها الخضرة والأشجار والرياحين ، وللمسجد مناظر إلى البساتين . ولما أرادوا إجراء نهر بردي وقع هذا الجبل في طريقه ، فنقبوا تحته ، وأجروا الماء فيه ، ويجري على رأسه نهر يزيد ، وينزل من أعلاه إلى أسفله ، وفي هذا الجبل كهف صغير زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام ولد فيه ، ورأيت في هذا المسجد في بيت صغير حجرا كبيرا ذا ألوان عجيبة ، حجمه كحجم صندوق ، وقد انشق نصفين ، وبين شقيه مقدار ذراع لم ينفصل أحد النصفين عن الآخر ، بل متصل به ، كرمان متشقق ، ولأهل دمشق في ذلك أقاويل ، واللّه أعلم بصحتها ، ولا ريب أنه شيء عجيب . ( جبل رضوى ) قال عامر بن أصبع : هو من المدينة على سبع مراحل ، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ، يرى من البعد أخضر ، وبه مياه وأشجار كثيرة .