زكريا القزويني
130
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
والناس ينظرون إليه ، زعموا أنها دابة تؤذي دواب البحر ؛ فيبعث اللّه إليه سحابا يخرجه من البحر ويحتمله ، وهو على صورة حية سوداء ، لا يمر ذنبها على شيء من شجر أو بناء عظيم إلا هدته ، وربما تتنفس فتحرق الشجر فيلقيها إلى يأجوج ومأجوج وتكون لهم غذاء ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه نحو هذا . ( ولنختم ) هذا الفصل بحكاية عجيبة ، وهو أن كسرى « 1 » أنوشروان لما فرغ من سد بليخ وأحكمه سر بذلك سرورا شديدا ، وأمر بنصب سريره على السد ، ورقى على السرير ، وحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا رب الأرباب ، أنت ألهمتني سد هذا الثغر وقمع العدو ، فأحسن الموهبة إلي وعزني ، وسجد سجدة أطالها . ثم استوى على فراشه واستلقى وقال : الآن استرحت ؛ يعني : من سطوة الخزر ومقاساة الترك ، ثم أغفى فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وارتفعت معه غمامة سدت الضوء ، فتبادرت الأساورة إليه ، فتنبه أنوشوروان ، وقال : ما شأنكم ؟ قال : الذي ترى ، فقال : أمسكوا عن سلاحكم لم يكن اللّه عز وجل يلهمني الشغل اثني عشر عاما وستة أشهر ، وتهده بهيمة من بهائم البحر . فنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو السد حتى علاه ، ثم قال : أيها الملك ، أنا من سكان البرح ، رأيت هذا الثغر مسدودا سبع مرات ، فأوحى اللّه تعالى أن ملكا عصره عصرك ، وصورته صورتك ، يسد هذا الثغر فينسد أبدا ، وأنت ذلك الملك ، فأحسن اللّه معونتك ، ثم غاب عن البصر كأنه طار في الجو أو غاص في الماء ، واللّه الموفق . ( القول في حيوان الماء ) حيوان الماء على قسمين : منه ما ليس له رئة كأنواع السمك ، فإنه لا يعيش إلا في الماء ، ومنه ما له رئة كالضفدع ، فإنه يجمع بين الماء والهواء .
--> قدرة اللّه تبارك وتعالى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ويحكى أنه يقال : إن السحاب موكل بالتنين يختطفه حيث ما يقفه كما تخطف حجر المغناطيس الحديد حتى صار لا يطلع رأسه من بطن الأرض خوفا من السحاب ، ولا يخرج من الفرط إلا مرة إذا أضحت السماء ، فلم يكن فيها نكتة من غيم ، ويمكن أن نتساءل : فلم وكل السحاب بالتنين برصده وبخطفه إذا وجده إلا ليدفع عن الناس ضره ؟ فإن قلت : ولم خلق التنين أصلا ، قلنا : للتخويف والترهيب وللنكال في موضع ذلك ، فهو كالسوط المعلق يخوف به أهل الريب أحيانا للتأديب والموعظة . ( 1 ) كسرى لقب رئيس الفرس كفرعون عند المصريين وقيصر عند الروم ، وتجمع كسرى على أكاسرة .