زكريا القزويني
128
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
أحشائها ، ورأسها نصف رأس ، فمن رآها هكذا استقذرها ، ويحسب أنها مأكولة ميتة ، ونصفها الآخر صحيح ، والناس يتبركون بها ، ويهدونها إلى المحتشمين ، ويشويها اليهود وقردونها ويحملونها إلى الأماكن البعيدة . ( ومنها سمكة بلغارية كأنها قلنسوة بلغارية ) قال أبو حامد الأندلسي : رأيتها وفي جوفها شبه المصارين ، ولا رأس لها ولا عين ، ولها مرارة كمرارة البقر سوداء ، فإذا اصطادها أحد تحركت فيسود الماء الذي حولها مثل الحبر ، وأظن ذلك السواد من تلك المرارة ، فإذا وقعت في الشبكة يبقى ما حولها أسود جدّا ، فيؤخذ من الماء ويكتب به أحسن من كل مداد لا ينمحي ، وله سواد وبريق . ( ومنها سمكة ) ذكر أبو حامد : أنها تقطع قطعا وهي تتحرك ، وربما قلبت القدر إذا أرادوا طبخها فيها ، ولا يسكن اضطرابها حتى تصير نضجا ، وهي سمكة لحمها طيب الطعم جدّا . ( ومنها سمكة تعرف بالخطاف ) قال أبو حامد : لها جناحان على ظهرها أسودان ، وإنها تخرج من الماء وتطير في الهواء وتعود إلى البحر . ( ومنها سمكة تعرف بالمنارة ) ترمي نفسها على السفينة فتكسرها ويعرف أهلها ، فإذا أحس الناس بها ضربوا بالطشوت والبوقات ؛ لتبعد عنهم ، وهي محنة عظيمة في البحر . ( ومنها سمكة كبيرة ) إذا نقص الماء بقيت على الطين ، ولا تزال تضطرب إلى ست ساعات ، ثم تنسلخ من شدة اضطرابها وقوة تأملها ؛ فيظهر لها جناحان من تحت جلدها فتطير وتتحول إلى البحر ذكرها أبو حامد . والتنانين في هذا البحر كثيرة ، وأكثر ما يكون عند طرابلس واللاذقية والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية ، وسيأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى . ( بحر الخزر ) هو البحر الذي في جهة الشمال على شرقية جرجان وطبرستان ، وفي شماله بلاد الخزر ، وفي غربيه جبال العقيق ، وفي جنوبيه الجبل والديلم ، وهو بحر عظيم واسع لا اتصال له بشيء من البحار على وجه الأرض ، فلو أن رجلا طاف حوله رجع إلى مكانه الذي ابتدأ منه . وهو بحر صعب المسلك سريع المهلك كثير الاضطراب شديد الأمواج لا مد فيه ولا جزر ، ولا يرتفع منه شيء من اللآلئ والجواهر ، وجزائره غير مسكونة ، ولكن في جزائره غياض مياه وأشجار ، وليس فيها أنيس ، قالوا : إن دوران هذا البحر ألف وخمسمائة فرسخ ، وطوله ثمانمائة ميل ، وعرضه ستمائة ميل ، وهو مدور الشكل ، فلنذكر شيئا من جزائره وبحاره .