زكريا القزويني

126

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

وقد شرط على القسيسين ضيافة من زار المسجد من المسلمين ، فإذا قدم زائر أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة ويصيح ، وإذا قدم اثنان صاح صيحتين ، وهكذا كلما وصل زائر أو زوار صاح على عددهم « 1 » ؛ فيخرج الرهبان بطعام يكفي الزائرين ، وتعرف الكنيسة بكنيسة الغراب ، وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غرابا على تلك الكنيسة ، ولا يدرون من أين مأكله . ( ومنها جزيرة مالطة ) قال أبو حامد الأندلسي : رأيت في بحر الروم هذه الجزيرة مملوءة من الغنم الجبلية مثل الجراد المنتشر ، لا يمكنها الفرار من الناس لكثرتها ، فإذا وصلت المراكب إليها أخذت منها ما شاء اللّه ، وهي أغنام سمان كبار نعاج وحملان ، وليس فيها غير الغنم ، وفيها أشجار وعشب كثير ، وهي على طريق الإسكندرية في البحر ، تقصدها السفن من كل جانب ، وظني أنه لو حملت كل سفينة في ذلك البحر منها لا تفنى الغنم . ( ومنها جزيرة الدير ) ذكر البحريون : أنها بقرب القسطنطينية ، وهي دير ينكشف عنه الماء في كل سنة يوما واحدا ، يحجها أهل تلك النواحي وينتظرون ذلك اليوم ويزورون الدير ويحملون إليها الهدايا ، حتى إذا كان ذلك اليوم ينكشف عنه الماء فيبقى ظاهرا إلى وقت العصر ، ثم يأخذ الماء في الازدياد ويغطيها إلى العام القابل ، واللّه الموفق . 58 فصل : في الحيوانات العجيبة في هذا البحر حكى عبد الرحمن بن هارون المغربي قال : ركبت هذا الحر فوصلنا إلى موضع يقال له : البطرون ، وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر ؛ فصاد بها سمكة نحو البشر ، فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا اللّه ، وفي قفاها محمد ، وخلف أذنها اليسرى رسول اللّه . ( ومنها ) ما حكى أبو حامد قال : رأيت ملاحا غاص في بحر الروم ، فانكشف عن سنام جبل ، وعليه نارنج أحمر كأنه قطف الآن من شجرة ، فظننت أنها سقطت من بعض السفن ، فقبضت على واحدة منها ؛ فإذا هي حيوان التصق بالحجر لم أقدر على قلعه ، فرمت قطعة بالسكين ؛ فلم تعمل فيه السكين ، وليس له عين ولا رأس ، وفمه في موضع العرجون ، فكنت ألف الثوب عليه وأجره بقوتي فيخرج من فمه مائية كاللعاب ، وهو لين محبب شديد الحمرة ، لا يغادر من النارنج شيئا ، فإذا تركته كان يفتح فاه ويتحرك كأنه يتنفس .

--> ( 1 ) لعل ذلك ما يحتاج إليدليل عليه .