زكريا القزويني
124
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
وقالوا : وكنا نرى الماء يخرج من فيها وأنفها ويصعد إلى السماء وتصل إلينا رشاشاته مثل المطر ، وبيننا وبينها مسافة بعيدة ، وهذه السمكة تقطع السفينة إذا عبرت من تحتها أو خزجت عليها ، فإذا رأى أصحاب المركب هذه السمكة يضجون إلى اللّه تعالى ؛ حتى يدفعها عنهم مكرمة . ( ومنها ) سمكة تعرف بالبال ، طولها أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع ، فيظهر في بعض الأوقات طرف من جناحه يكون كالشراع العظيم ، ويظهر رأسه وينفخ فيه الماء فيذهب الماء في الجو أكثر من غلوتين ، والمراكب تفزع منها ليلا ونهارا ، فإذا أحسوا بها ضربوا بالدبادب وضجوا حتى تنفر ، وإنها تحشو بذنبها وأجنحتها السمك إلى فيها . فإذا بغت على حيوان البحر بعث اللّه سمكة نحو الذراع تدعى اللشك تلتصق بأذنابها ولا خلاص للبال منها ، فتطلب قعر البحر وتضرب الأرض بنفسها حتى تموت وتطفو فوق الماء كالجبل العظيم ، وربما يقذف البحر عند اشتداده قطعا من العنبر كالتلال فيأكلها البال فيقلها فتطفو فوق الماء . ولها أناس يرصدونها في المراكب من الزنج ، فإذا أحسوا بذلك طرحوا فيها الكلاليب وجذبوها إلى الساحل ويشقون بطنها ، ويستخرجون العنبر منها ، فما يكون في بطنها يكون شهكا تعرفه التجار والعطارون بالعراق وفارس والهند ، وما يكون في ظهرها يكون جيدا نقيّا ، واللّه الموفق . ( بحر المغرب ) هو من بحر الشام وبحر قسطنطينية « 1 » ، مأخذه من البحر المحيط ثم يمتد مشرقا فيمر بشمالي أندلس ثم ببلاد الفرنج إلى قسطنطينية ، ويمتد من جهة الجنوب إلى بلاد أولها سلا ثم سبتة وطنجة إلى طرابلس والإسكندرية ، ثم سواحل الشام إلى أنطاكية ، وفيه الجزائر العظيمة كجزائر الأندلس وغيرها . وذكر في كتاب أخبار مصر : أنه بعد هلاك الفراعنة كان ملك بني دلوكة في شق البحر المحيط من المغرب ، وهو بحر الظلمات ، فغلب على كثير من البلدان العامرة والممالك العظيمة ، وامتد إلى الشام وبلاد الروم ، وصار حاجزا بين بلاد مصر والروم ، وهو الخليج الذي في زماننا هذا على أحد ساحليه المسلمون ، وعلى الآخر النصارى من الفرنج .
--> ( 1 ) بحر المغرب : ويسمى الآن البحر البيض المتوسط ، ويفصل بين قارة إفريقيا وقارة أروبا .