الآغا بن عودة المزاري
348
طلوع سعد السعود
الأتراك ، في غاية ما يكون من التدريج والاشتراك ، ثم صار تبّاغا يبيع الدخان ، ويتعاطى بيعه في السر والإعلان . قال في در الأعيان في أخبار وهران ، وكان ذا عقل وافر وسياسة ، ورأي ناجح ورئاسة ، ولما رآه الباي محمد الرقيق على تلك الحالة شغف بحبّه ، إلى أن أخذ بمجامع قلبه ، وظهر أنه لا يصلح لمصاهرته ألّا ( ص 296 ) هو ، وأنه هو الذي / يوافقه في الجد والهزل ، والذكر والسهو ، فقرّبه منه وأدناه وأولاه سرّه ومعناه ، وزوّجه من ابنته وصيره من جملته ، وشوّر ابنته بدرة بما لا له قيمة مثل الدرة اليتيمة والذهب والحرير ، والدراهم والدنانير ، وغير ذلك من الشورة والأمتعة فصار من حينه متسعا في غاية السعة ، وولّاه قائدا بفليتة ، وانضبطت أموره فليس لها تفليتة . قال صاحب در الأعيان ، وهو السيد حسن خوجة كثير المعاني والبيان ، وكنت كاتبا لأموره الشاملة ولازمته في الخدمة السنة الكاملة ، فلم أسمع قط منه جناحا ولا كلمة فحش ولا منا ولا فخرا ولا تكبرا ولا مزاحا ، وإنما يظهر منه من محاسن الأخلاق ، والتعبّد ما يرضّي المالك الخلّاق . قال وكان قليل الغضب كثير الرضى ، يمسح برؤوس اليتامى ويعيد المرضى كثير الترحّم والتودّد للفقراء والمساكين ، محبا للعلماء والشرفاء والأولياء والصالحين والمساكين ، مواضبا على الطهارة لا يتركها أصلا محافظا على الصلوات فرضا ونفلا ، مجالسا لأهل الفضل والعناية ، مجانبا لذوي السفاهة والجناية . ثم ولاه خليفة الشرق لكنه لم يبلغ فيها مناه ، ولا توصّل إلى مرغوبه ومنتهاه ، بل وافق أمره فيها مخالفة صهره الباي محمد الرقيق لأهل الجزائر ، كما مرّ فعاقه العيوق عن تلك المراتب والمشاعر . ثم كان من أمر اللّه تعالى أنه بلغه إلى مكانة أرفع منها وأرقاه بايا والأولى أعرضه عنها . وقد قحط الورى قبل ولايته ( ص 297 ) فلم يمطروا ، ودام عليهم ذلك إلى أن تضرروا ، ولمّا ولّى عليهم أمطرهم / اللّه تعالى بمنّه وفضله ، وخفّ بعض غلاء الشعر الصادر بعدله . قال السيد حسن خوجة التركي في الكتاب المذكور ، وهو ذكر الأعيان المشهور ، ولذلك قلت فيه هذه الأبيات ، الدالة على كماله بالثبات ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل ، وهي من بحر الطويل : أيا معشر الإسلام دام سروركم * بدولته من في الناس دولته ترضا أمير أتانا بعد ما قحط الورى * فأمطرنا رب العباد به أرضا