السيد محمد بيرم الخامس التونسي
35
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
فنادوا بها من جميع أطراف المملكة ، وكان « كاري بالدي » مظهر وجود تلك الجمعيات التي كانت تنفق على متطوعيه كإنفاق دولة على عساكرها . وذلك الزعيم لما تم مقصد إيطاليا رامت الدولة مكافأته بترقيته في الرتب العالية فاحتسب عمله لفخر بلاده وأبى قبول شيء ما مع احتياجه . ومن أهم مساعدات البخت وجود قاعدة نابليون الثالث المار ذكرها ، ويقال إنها مؤسسة منه قصدا لأنه يدعي بأنه كان من أعضاء « الفرمسيون » وأنه لما كان منفيا بإيطاليا وعد جماعته بالمساعدة إذا تولى ملك فرنسا ، وإعانته لها اعتبار عظيم لأنها كسرت سورة النمسا ذات الشأن ، فلو لم تقع مساعدة فرنسا لكانت النمسا أول مخضد لشوكة الاتحاد ولو أنها ترى الحرب لأجل ذلك مع غيرها كنابلي مثلا لأنها تعلم أن المآل بالمضرة لها حسبما قيل أقسم تحكم ، فمنة فرنسا لا تنكر في ذلك لأن إحياء الأمة بعد الاندثار وتغلب الدول العظيمة عليها لا يمكن بدون مساعدة دولة ذات شأن واقتدار كما بينه الاستقراء . ومن غرائب ما سمعته من جهة علوم الحدثان هو أن نابليون الثالث زار إيطاليا أثر إتمام إعانته لها وفي مسامرة الوليمة التي أعدت له من ملك إيطاليا ، كانت امرأة عجوز من الأعيان حاضرة فاختلت بالإمبراطور مع بعض الأعيان المقربين إليه وقالت له : هل وجدت ما قلته لك صدقا ؟ فقال : نعم فقالت : لكن ما أدري كيف الحال في الباقي ، فسفسطها وفض المجلس . فسألها أحد الحاضرين عن معنى كلامها فقالت : إنها تعلم نوعا من الحدثان وأنها كانت أخبرت نابليون مدة هروبه بإيطاليا قبل ولايته على فرنسا بجميع ما يقع له ، ومنه أنه يخلع بعد حرب وقد حان وقتها ولذا قطع الكلام ، وقد رويت هاته الحكاية عن ثقة قبل حرب فرنسا وبروسيا سنة 1287 ه سنة 1870 م فلم يطل الزمن حتى كان الأمر كما ذكرت واللّه أعلم بكيفية علمها بما ذكر فإن بعض أنواع ذلك الفن لا يتوقف على صلاح ولا على دين بل كأنما هو صناعة . وفي مقدمة ابن خلدون « 1 » كفاية لبيان ذلك . وأما أسماء ملوك إيطاليا : فإن لها الآن ملكان فقط . الأول : فيكتور امانويل . الثاني : ابنه امبيرتو وذلك لقرب العهد بالاتحاد ، نعم إن الملك الأول كان ملكا على الساردو وهو من عائلة ساقويا التي لها رسوخ في الملك والإمارة من قديم . مطلب : في الإدارة الداخلية إعلم أن الإدارة عندهم منقسمة إلى كليتين : الأولى : هي ما يتعلق بالإدارة العامة .
--> ( 1 ) هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون ( 732 - 808 ه ) أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي فيلسوف مؤرخ . توفي في القاهرة . الأعلام 3 / 330 ، الضوء اللامع 4 / 145 جذوة الإقتباس ( 7 ) نيل الابتهاج ( 17 ) تعريف الخلف 2 / 213 دائرة المعارف الإسلامية 1 / 152 .