السيد محمد بيرم الخامس التونسي
309
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
التاريخ الجديد للحجاز لكي ينسجم تعريف تلك الطبقات على وتيرة واحدة ، ثم نعود الآن إلى ديدننا في التكلم على التاريخ فنقول إن انتهاء التاريخ القديم للعرب كان بظهور الإسلام . فصل في التاريخ الجديد للحجاز اعلم أنه ببعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلاصة العرب وسيد الأمم قد حدث تاريخ جديد في سائر العالم لا في الحجاز فقط الذي هو مطلع نوره عليه الصلاة والسلام وذلك لعموم رسالته صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه ولد عام الفيل الذي كانت تؤرخ به العرب وهو العام الذي قدم فيه ملك الحبشة للاستيلاء على مكة ومعه فيلة للحرب ، فولي كبيرها على عساكرهم وانهزمت الحبشة بدون حرب ، وكان ذلك من الإرهاصات الدالة على البعثة ، وذلك العام قبل الهجرة بسنة 53 ويوافق ذلك سنة 569 ميلاديّة ، وقد كان والد النبي صلى اللّه عليه وسلم قد توفي قبيل ولادته فكلفه جده عبد المطلب وأرضعته أخواله بنو النجار في المدينة ، ثم نشأ صلى اللّه عليه وسلم على كمال الأخلاق وأشرفها سجيّة فطر عليها من غير تعلم ولا تأديب ، حتى أنه كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب على ما هو الغالب في الأمة إذ ذاك ، وكفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده ، فلما استكملت شبوبيته تعاطى التجارة على وجه المضاربة وهي أن يكون المال لإنسان والعمل على الآخر ، والمال الذي أتجر به كان لخديجة بنت خويلد أحد أعاظم قريش وأغنيائها فسافر إلى الشام ورجع بربح فاق على أنظاره ، ثم تزوج السيدة خديجة وقد رغبت فيه ، لعلو نسبه حيث كان صفوة بني المطلب وبني هاشم سادات العرب كما تقدّم ولكمال حسبه لما رأت من جزيل الأرباح في تجارته مع ما هو عليه من استجماع كافة مكارم الأخلاق ووفرة العقل والجلالة والمهابة ، حتى كانت قريش يدعونه الأمين وينقادون لإشارته وأمره حتى أنهم لما اختلفوا عند تجديدهم بناء الكعبة فيمن يبني الحجر الأسود وهم بالمسجد الحرام وتراضوا على تحكيم أول داخل فكان هو النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا جميعا رضينا هو الأمين . ومن كمال تدبيره أرضى جميعهم في ذلك حيث أخذ ثوبا ووضع فيه الحجر الأسود ثم قال لهم لترفع كل طائفة من إحدى جهاته فرفعوه جميعا حتى إذا بلغوا به محله وضعه فيه هو عليه الصلاة والسلام ، وهكذا عرف بين الجميع بالصدق والوفاء والنزاهة عن كل نقيصة ، فلما بلغ الأربعين من عمره بعثه اللّه رسولا بنزول الوحي عليه صلى اللّه عليه وسلم مع الملك وأقام بعد ذلك بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو فيها الناس للإيمان بما أنزل عليه من القرآن وإقامة الدليل والبرهان وإظهار المعجزات الخارقات للعادات من الأخبار بالمغيبات الماضية كحوادث الأمم الماضية ممّا اختلفت فيه أخبار أهل الكتاب فجاءهم فيه بما يوافق الحق والعقل وإن خالف أقوالهم جميعا ، وكذلك المغيبات الحاليّة كالأخبار عن بيت المقدس وتوصيفها توصيف معاين لها مع أنه لم يرها قط إلّا في الإسراء الذي هو معجزة له عليه