السيد محمد بيرم الخامس التونسي

302

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه اللّهمّ صلّ على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وسلّم تسليما فصل في تاريخ الحجاز مطلب في تاريخه القديم اعلم أن سكان الحجاز هم العرب فتاريخه هو تاريخهم نعم قد كان الحجاز معمورا قبلهم لكن ذلك العمران قد جهل تاريخه بالمرة لتقادم العهد تقادما كثيرا ، وغاية ما يعلم من حوادث ذلك التاريخ هو بعض جزئيّات لها تعلق ببعض الأماكن المشرفة هناك ، مثل بيت اللّه الحرام ، فإنها بنيت منذ عهد سيدنا آدم أبي البشر عليه الصلاة والسلام وجدّدت أيضا قبل سيدنا إبراهيم ، ولكن الأخبار عن ذلك كادت أن تكون خليّة عن التحقيق ، ثم أنّه لما تكوّنت أمة العرب واستقرت في جزيرتها حدثت فيها حوادث تاريخيّة مهمة جدّا غير أنها في ذاتها أيضا منقسمة إلى أربعة أقسام باعتبار انقسام العرب في أنفسهم ، لأن العرب منذ نشأتهم إلى الآن منقسمون إلى أربع طبقات ، فالطبقة الأولى : هي العرب البائدة ، والثانية : العرب العاربة ، والثالثة : العرب المستعربة ، والرابعة : العرب المولدين أو المخضرمين . فأما الطبقة الأولى « 1 » : فهي التي كانت قبل سيدنا إبراهيم وإنما سميت بائدة لإبادتها أي انقطاعها وانقطاع أخبارها وإن كانت ذريتها لم تزل وهم بقيّة الطبقات وانقطاع أخبارها إنما جاء من شدة طول العهد والأمد فلم يعلم من أحوالهم إلا بعض حوادث قصها اللّه تعالى في القرآن المجيد مثل ما ذكر من أحوال رسول اللّه سيدنا صالح إلى قومه ثمود ، وكذلك قصة عاد مع رسولهم سيدنا هود ، والإشارة إلى ما كان لهاته الأمة من القوة والعمران والثروة وشدة البأس إلى غير ذلك من أحوال انقراضهم والاعتبار بما كان لهم وبقيت بعض آثاره في ديارهم ، وأما غير ذلك من تفاصيل تاريخهم فلا يوجد منه إلّا قصص يذكرها بعض المفسرين أو المؤرخين لا سند لهم فيها إلّا الإعجاب بقصص القصاص ممّا لا ينبغي الاعتماد عليه اللهمّ إلّا ما إذا ورد شيء من ذلك عن الصادق الأمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه ينبغي أن يتلقى بالقبول .

--> ( 1 ) انظر صبح الأعشى 1 / 364 .