السيد محمد بيرم الخامس التونسي

296

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

وأما هواء الحجاز فهو على الجملة حار لمكان عرضه من خط الاستواء ولا شك أن الأودية بين الجبال تزيد حرا بخلاف المرتفع ، ولذلك يختلف الحال فمع كون مكة المشرفة شديدة الحر حتى إني كنت بها في دجنبر ولما أردت صلاة العشاء في الحرم لم أستطع الجلوس على الأرض بدون بساط في وقت العشاء لما أثرت الشمس في الأرض ، فإن الطائف لا يمكن فيه في الصيف لا التدثر في الليل بالغطاء الثخين ، وقد شاهدت من أمر السراب شيئا عجيبا فإني لما كنت مسافرا من مكة إلى المدينة سمعت من أصحاب القافلة أنهم يقولون إن الماء هنا ليس بموجود ولا بد من المبيت على الماء ، وكان الوقت بعد العصر فرأيت على قرب من الطريق غدرانا كثيرة فسألت الجمال : هل هنا سبخة أم أن المطر صبت قبل مرورنا ؟ فقال : كل ذلك لم يقع ، فقلت : من أين هذه الغدران حينئذ ؟ فقال : ليس هنا غدران وإنما ذاك سراب فلم نطمئن لقوله وأرسلت أحد أتباعي بإناء ليملأه من ذلك الماء الذي أريته له فشاهده وذهب إليه ، فلما بلغه صاح لي قائلا ليس هنا شيء ، فضحك مني الجمال وما ذاك إلا للتعود فإني لم أعهد السراب على ذلك النحو ، وذلك لحر القطر وتأثر الهواء بذلك . وأما نباتاته فينبت بالحجاز جميع النبات الذي يكون بالأقاليم الحارة ووراء جبل أحد من الشق المقابل للمدينة غابة كبرى بها عيون ضعيفة وأشجار كثيرة صالحة للبناء بأخشابها ، وأكثر الشجر المستنبت النخيل على أنواع شتى وبقية الشجر ذو الغلال يغرس منه الليمون بكثرة والبردقان والعنب والرمان وهو جيد للغاية لا سيما رمان الطائف والتين ، كما يستنبت بعض البقول مثل الباميا والطماطم وقليل من بقية المستنبتات ، ومن تأمل الحكمة في حماية أشجار الحرم المكي والمدني من القطع ، علم قصد الشارع إلى استكثار الشجر هناك ، لما يعود من مصلحته على الأمة ، فإنه يجلب السحب ويكثر المطر ويحسن الهواء ويشرح النفوس ويقي الناس من الشمس ويلطف الحر ويوقد بفواضل ما يقطع منه للتحسين ، ومن شاهد تلك البقاع علم شدة الاحتياج إلى الإستظلال من الشمس ، وعلم حكمة تحريم [ قطع ] ، الشجر حول البلدين المكرمين اللذين تلزم عمارتهما وتهرع الناس إليهما من كل فج عميق ، وقد أشار إلى حكمة تحسين الحرم بالشجر وحرمة قطعه بعض العلماء ومنهم : السمهودي « 1 » في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى صلى اللّه عليه وسلم فقال : قال الطحاوي « 2 » : يحتمل

--> ( 1 ) هو علي بن عبد اللّه بن أحمد الحسن الشافعي ، نور الدين أبو الحسن ( 844 - 911 ه ) . مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها . ولد في سمهود ( بصعيد مصر ) . استوطن المدينة وتوفي بها . الأعلام 4 / 307 النور السافر ( 58 ) . الضوء اللامع 5 / 245 ومعجم المطبوعات ( 1052 ) . ( 2 ) هو أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي ، أبو جعفر ( 239 - 321 ه ) فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر . ولد في « طحا » في صعيد مصر . توفي بالقاهرة . الأعلام 1 / 206 وفيات الأعيان 1 / 19 الجواهر المضيئة 1 / 102 لسان الميزان 1 / 274 ، هدية العارفين 1 / 58 ، اللباب 2 / 82 ومعجم المطبوعات ( 1232 ) .