السيد محمد بيرم الخامس التونسي

288

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

على صاحبه أفضل الصلاة والسلام في جهتها الشمالية الغربية وقد جدد الحرم الشريف والمسجد السلطان عبد المجيد « 1 » فكان المسجد وحده مائة وخمسة وخمسين ذراعا طولا أي من الجنوب إلى الشمال ، وعرضه مشرقا مغربا من جهة الجنوب مائة وخمسة عشر ذراعا ومن جهة الشمال ثمانية وثمانون ذراعا ونحو تلك المسافة أيضا صحن المسجد الذي هو جهة الشمال ، ومحيط به رواقات وكله من بناء ضخم مرفوعة قبابه على أقواس قائمة على إسطوانات من المرمر الأحمر المأخوذ من مقاطع حجازية قرب المدينة ، وكذلك عواضد الأبواب وصحن المسجد تحيط به رواقات وما عداها مكشوف وليس بين المسجد والصحن أبواب ، وباب السلام من غربي المسجد قرب حائط القبلة والمحراب في نحو ثلثي عرض المسجد أعني أنه أقرب إلى الشرق حتى يكون قبالة المحراب النبوي الأصلي ، لأن المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام قد زيد فيه مرارا أولها : في خلافة سيدنا عمر رضي اللّه عنه حين ازدادت كثرة المسلمين ، وآخرها إلى الآن ما زاده السلطان عبد المجيد رحمه اللّه ، وكل من زاد فيه تحرى مواقف النبي عليه الصلاة والسلام لتبقى محفوظة ، فلذلك وإن زيد في جهة القبلة حتى صار حائطها يبعد عن حرم الحجرة الشريفة نحو الثمانية أذرع مع أن حائط القبلة كان مساويا لحائط الحجرة ، لكن بقيت بقعة المحراب الأصلي معلما عليها والمحراب الجديد قبالته ، أما المنبر فهو وإن تغيرت ذاته لكن محله لم يتغير وهو الآن من المرمر المتقن والأصلي من خشب ، وأما الحجرة الشريفة فالأصلية عليها بناء ضخم مستطيل من الغرب إلى الشرق وعليه قبة عالية أرفع من سائر قباب المسجد وداخلها القبر الشريف المكرم لصق الحائط القبلي من جهة الغرب ، ويليه قبر الصديق رضي اللّه عنه لجهة الشمال متأخرا إلى المشرق بحيث أن رأس الصديق رضي اللّه عنه مسامتة لأسفل من رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنحو ذراع وذلك تأدبا من الصحابة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يليه شمالا أيضا بانحراف للغرب قبر الفاروق رضي اللّه تعالى عنه وهاته الحجرة لا يدخلها أحد ، ووراء حيطانها من خارج شباك من حديد متين متصلة قواعده برصاص مذاب غليظ الحجم مالىء للأساس إلى عمق عميق حتى اتصل بطبقة الماء في الأرض ، والسبب في وضعه هو أنه كان في مدة السلطان نور الدين الشهيد « 2 » بمصر حدث حادث عظيم بالمدينة

--> ( 1 ) هو عبد المجيد الأول ( 1823 - 1861 م ) سلطان عثماني . خلف أباه محمود الثاني ( 1839 ) من أعم أحداث عهده حرب القوم ( 1853 ) . أجرى إصلاحات إدارية وفكرية واجتماعية عرفت بالتنظيمات . ( 2 ) هو محمود بن زنكي ( عماد الدين ) ابن أقسنقر ، أبو القاسم ، نور الدين الملقب بالملك العادل ، ( 511 - 569 ه ) . ملك الشام وديار الجزيرة ومصر . وهو أعدل ملوك زمانه . ولد في حلب . ضم دمشق إلى ملكة مدة عشرين سنة . عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة . سمع الحديث من جماعة وسمع منه جماعة كان يتمنى أن يموت شهيدا . فمات بعلة « الخوانيق » في قلعة دمشق ، فقيل له « الشهيد » وقبره في المدرسة النورية . الأعلام 7 / 170 ، الكامل في التاريخ 11 / 151 تاريخ ابن الوردي 2 / 83 وفيات الأعيان 2 / 87 مرآة الزمان 8 / 305 الدارس 1 / 99 و 331 والنجوم الزاهرة 6 / 71 . شذرات الذهب 4 / 229 .