السيد محمد بيرم الخامس التونسي

254

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

قلاع في الحدود وتقلص ظلهم عما كان لهم في النوبة من النفوذ ، ثم تسلط أهل سنار العرب على مصر وهم الرعاة ثم خرجت عنهم كما سبق ذكره ، ثم دخلت في أهالي سنار وغيرهم الديانة النصرانية في القرن الرابع من الميلاد ، ثم في القرن الأول الهجري افتتح العرب هاتيك الجهات وبقيت على الاستقلال بإدارتها سوى التبعية الدينية للخلافة إلى سنة 889 ه ، فأقبلت قبيلة تسمى الفنج أو الفون ولا يعرف من أين أتت فتغلبت على تلك الجهات وتملكتها وكانت على الديانية الوثنية ، ثم أسلمت وصار منها علماء أجلة في عدة مدن وارتحل منها طوائف إلى قواعد الإسلام لأخذ العلوم فبرعت منهم فحول ، وكان ملكهم من أقوم ملوك الإسلام إلى أن حدث فيهم التنافر الداخلي والانقسام وتماروا فيما بينهم فجعلوا بذلك وسيلة لجارهم في التسلط عليهم ، فاغتنمها محمد على باشا فرصة واستولى على جميع سنار بعد استيلائه على النوبة سنة 1236 ه أما شطوط النوبة الشرقية أعني ما كان منها على البحر الأحمر فإنه كان في أغلب الأوقات تابعا لمصر حتى بعد الفتح الإسلامي ، وعندما افتتحت الدولة العثمانية مصر بقيت هاته الجهة تحت إدارة خاصة بها تابعة للدولة إلى سنة 1243 ه ففوضت إدارتها إلى محمد علي وجعلت جزأ من الممالك المصرية وألحقت بها أيضا بلدة أنصبا وملحقاتها التي كانت تابعة للحبشة فاستولت عليها مصر شيئا فشيئا ، وأما دارفور فغاية ما علمت من تاريخها أنها كانت من الممالك الإسلامية القديمة وأهلها من أخلاط السودان والعرب ، وآخر عائلة من ملوكها عربية سودانية يسمى أولهم السلطان عبد الرحمن توفي سنة 1218 ه وانتقل الملك في أبنائه إلى أن تغلب على المملكة إسماعيل باشا سنة 1291 ه . وأما زيلع وغيرها من بقية جهات السودان على شطوط أفريقية الشرقية ، فحاصل ما بلغت إليه أنهم قوم من العرب اجتازوا إلى هناك من قبل الإسلام ، ثم أسلموا في صدر الإسلام ولما استولت الدولة العثمانية على اليمن وغيره من جزيرة العرب وأفريقية دخلت تلك الممالك أيضا طوعا في طاعة الدولة ، ولم تزل مجرية لهم عوائدهم ولها الحكم السياسي ، إلى أن ألحقت ذلك بمصر بمقتضى فرمان منحه إلى إسماعيل باشا وورثته وذلك نسة 1292 ه . وأما بلاد النوبة فكانت قديما مشمولة بما ذكرناه في سنار إلى أن استقر الإسلام بمصر فبقي أهل النوبة على الشرك ، حتى أنه في زمن المأمون « 1 » لما قدم إلى مصر اشتكى إليه ملك النوبة من عامل أسوان وأهلها بأنهم ملكوا أراضي في بلاده بالشراء من أناس والحال أنهم أي البائعين عبيده ، فأحال فصلهم على قاضي أسوان ولم يقر البائعون بالرق فضغن عليهم ملك النوبة وبطش بهم ، ثم صار التعدي متواليا من النوبيين على أهالي مصر وكلما

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور ، أبو العباس ( 170 - 218 ه ) . سابع الخلفاء من بني العباس في العراق . أخباره كثيرة . توفي في « بذندون » ودفن في طرسوس . الأعلام 4 / 142 تاريخ بغداد 10 / 183 الكامل في التاريخ 6 / 144 وفوات الوفيات 1 / 239 .