السيد محمد بيرم الخامس التونسي

189

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

من إيالة برنيطانيا بعوض قدره أربعمائة ألف ليرة ، واغتنم من الأموال خزائن عظيمة حتى قيل إنه خلف في خزائنه الخاصة عشرة ملايين ليرة ، وارتقى إلى ملكه بعده ابنه هنري الثامن « 1 » سنة 1509 وكان شديد البطش لكنه نفع المملكة بالإصلاحات التي أجراها ، وهو أوّل متمذهب بالمذهب البرتيستانت وتعصب له حتى أمر بقتل كل من لا يقبله ، وفي مدته دخلت إرلانده تحت إنكلاتيره وصارت مملكة واحدة وعلى عكسه ابنته المتولية بعد أخيها وهي مريم حتى لقبت بالدموية لقتلها أهل ذلك المذهب بل حرقتهم أيضا وخضدت شوكة القوانين ومجلس البارلمان بعزلها من عارضها وتولية من يوافقها ، وخسرت مدينة كالى من فرنسا لمحاربتها إياها انتصارا لزوجها ملك إسبانيا ثم لما خلفتها أختها سنة 1558 رفعت الاضطهاد الديني وزاد مذهب البرتيستانت انتشارا لما نال الأهالي من الحرية في سائر أطوارهم ، وحصلوا على درجات من التقدم بالصنائع والمعارف ممن هاجر إليهم من ألمانيا وفرنسا وغيرهما من أهالي المذهب البرتيستانت لما وجدوا هناك حريتهم من القتل لهم في أوطانهم ، وفي مدتها عرف الشاي عندهم وعرفت الساعات ، وفي سنة 1600 تشكلت لجنة الهند التي تقدم بيان أعمالها في المقدمة وحيث لم يكن لها وارث عهدت إلى أحد قرابتها وهو ملك اسكوتسيا الملقب جمس استوارد وبه اتحدت المملكتان ، وهو أول عائلة استوارد استولى سنة 1603 وكانت أيامه على نوع من التقدم لانفته من الحروب وكاد في مدته أن يحرق مجلس البارلمان بمن فيه بدسائس البابا فوضع تحته لغم لكنهم تفطنوا له . وولي بعده سنة 1625 ابنه كارلوس الأول وتفاقم الخلاف بينه وبين الأمة في حدود سلطته إذ أراد أن يبقى مجلس الندوة المسمى بالبارلمان صوريا وهو يتصرف كيف يشاء ويحمل المسؤولية على المجلس لإخضاع الأمة وتبرئة نفسه ، فلما عارضه المجلس عزل أعضاءه وانتخب آخرين لكنه كان كلما انتخب أناسا كانوا على نمط سلفهم في معارضته ، حتى تفاقم الخلاف واشتهرت الحرب بين الأمة والملك وكان من حزبه أغلب الأعيان وكبراء البيتوتات لما ينالهم من الحظ من إطلاق الملك ، لأنه كلما أطلقت يده انطلقت أيديهم أيضا فالحظ يقتسمونه بل يكون لهم منه القسط الأوفر ، حيث أن كلا منهم يجتهد في خصوص مرضاة الملك وحواشيه بشيء من التملق والتعظيم الباطل الذي يسخر منه العاقل ، ويضيف إلى ذلك جزء من الأموال التي ينتهبها رشاء لأولئك الأفراد ثم يطلق عنان شهواته في ملايين من الناس على حسب إرادته يستعوض منهم كل ما دفعه من المال والأعمال ، بل وربما أنفذ أغراضه في أقرانه لما وقع بينهم من التحاسد والتشاحن فما هو إلا أن يرضي تلك الشرذمة وينتقم من ضده بالقتل على أوجه لا تحصى ، منها : الجهري ، بدعاوى من الزور وحكم مجالس صورية تلقن ما تقول من الليل ، ومنها : السري ، بالتسميم

--> ( 1 ) هو هنري الثامن ( 1491 - 1547 ) ملك سنة ( 1509 ) انتصر على الفرنسيين . تزوج ست نساء من بينهن كاترينا الأرغونية وآن بولين . المصدر السابق ( 732 ) .