السيد محمد بيرم الخامس التونسي
186
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
فإن كان صدر مني وأنا في عنفوان شبيبتي وعدم مبالاتي ما يناقض ذلك فها أنا ذا قد عزمت بحول اللّه على تعويض ما فرط مني ، ولذلك أرجو وآمر كل من قلدته شيئا من الأمر ويريد خلاص نفسه وبقاء طاعته لي أن لا يظلم أحدا سواء كان فقيرا أو غنيا ، ولتسووا بين الأشراف وغيرهم في إنالة حقوقهم على مقتضى الشرائع التي يجب حفظها ، ولا يحولكم عن ذلك الخوف مني ولا تطلبوا رضاء الأشراف ولا الميل إلى ملء خزائني المالية فإني لا أحب مالا جمع بظلم » اه . وبعد وفاة هذا الملك ثارت الفتن بين أعقابه وأعقاب العائلة السكسونية إلى أن استولى منها اثنان في ارتباكات متوالية حتى انقرض الجميع سنة 1066 ، وبينما كانت الأهالي في نزاع فيمن يملكوه عليهم وإذا بأحد أمراء ولاية نورمندية التابعة لفرنسا قد هجم عليهم وقهرهم جميعا واستقر ملكا عاما على إنكلاتيره وعلى نورمندية معا ، ثم حصلت له حروب في انكلاتيره حملته على الانتقام بالقتل لأهلها وإفساد الزرع حتى نشأت عنه مجاعة مات فيها نحو مائة ألف نفس ، ثم ثار عليه ابنه الذي خلفه في نورمندية وحاربه وانتصر عليه ، وبعد موته خلفه ذلك الابن في كل من المملكتين مع حروب دائمة فيه وفي خلفه ، حتى استولى هنري الأول « 1 » من أحفاده وحاربته فرنسا في مدة لويس السادس عشر لاستخلاص ولاية النورمندية وغلبها ونازع البابا في حق إعطائه وظائف الديانة واستقل هو بها مثل سائر الوظائف ، ثم تعاقبت الثورات والحروب تارة داخلية وتارة مع الولاية النورماندية في استخلاص نفسها ونزاع في التملك إلى أن ولي هنري الثاني « 2 » أول العائلة البلانتاجينية وهو اسم حشيشة كانوا يصنعونها في قلانيسهم فنسبت العائلة إليها وذلك سنة 1154 ، فأعمل هذا الملك حزمه في إزالة تعصبات الجهات وأزال ما فيها من الحصون وخضد شيئا من شوكة الأعيان وأجرى نوعا من التسوية في الحقوق فهدأت الحروب في مدته ، ومن مشاهير فروعه في الملك ريكاردوس الملقب بقلب الأسد المتولي سنة 1189 وهو الذي اشترك في حرب الصليب ثم أسر عند النمسا وفداه أهله وقتل وهو محاصر لإحدى القلاع في فرنسا ، فولى أخوه يوحنا الموسوم باختلال العقل حتى خسره مستملكات الإنكليز في فرنسا وقتل ابن أخيه فثارت عليه الأعيان وألزموه بما يأتي خبره وانتقلت حالة المملكة إلى طور آخر . مطلب في تاريخ إنكلاتيره الجديد اعلم أن مبدأ ظهور الحرية في جميع أوروبا على الأصول المعروفة هي انكلاتيره ولذلك كانت هي أسبق ممالك أوروبا إلى ذلك ، وحصل فيها هذا الأمر على
--> ( 1 ) هو هنري الأول ( 1068 - 1135 ) ملك إنكلترا ابن وليم الفاتح . المنجد ص ( 732 ) . ( 2 ) هو هنري الثاني ( 1133 - 1189 م ) ملك أوقعته سياسته الطائشة في خلاف مع وزيره بيكيت . المصدر السابق ( 732 ) .