السيد محمد بيرم الخامس التونسي
170
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
والقضاة معين لهم الحكم بكتاب مختصر الشيخ خليل « 1 » ويجلس مع القاضي عدلان للشهادة على الخصوم وينوبه أكبرهما عند مغيبه ، وأما ما يرجع إلى سائر المعاملات والجنايات فله مجلس مركب من ثلاثة أعضاء فرنساويين ويحضر معهم عضو مسلم ، وهذا المجلس على نحو مجالس الأحكام في فرنسا غير أن القانون الذي يحكم به ممتزج بين ما ترجم من مختصر الشيخ خليل وبين القانون الفرنساوي ، فإذا كان الخصمان من المسلمين والدعوى من أنواع المعاملات الاختيارية فلهما الاختيار بين فصلها في هذا المجلس أو لدى القاضي المشار إليه ، وأما إذا كانت الدعوى من قبيل الجنايات أو بين مسلم وغيره فلا تفصل إلا بالمجلس ، كما أن للمجلس حق التحقيق على القاضي فيما يحكم به في نوازل المعاملات وذلك جار في كل بلدة . وأما القبائل : فحكامهم القواد والأغوات والقضاة ، ثم لما كان أعضاء المجالس في الأغلب غير عارفين بلغة القوم لزم إحضار مترجم مع مراقبة العضو المسلم ، ومع هذا فلا يحصل الانتصاف المعهود في محاكم فرنسا إلا من حيث الأعضاء الفرنساويين فإنهم يتحرى في انتخابهم استكمال الصفات والإستقامة لكن يحصل أطوارا عدم إحسان الترجمة جهلا أو عمدا مع عدم جدارة العضو المسلم فلا يجري الإنصاف ، وأغلب ما يكون ذلك في الحكم الذي لا يقيم المحكوم عليه وكيلا عارفا باللغة الفرنساوية ومتضلعا بمعرفة الأحكام . وقد حضرت يوما متفرجا في مجلس الحكم بعنابة الذي هو في الهيئة على نحو ما تقدم في باريس فأتي برجل في دعوى جنائية وبينما هو يتمم في كلامه وإذا بالمترجم تكلم للحكام كان الرجل تمم مقاله فصدر الحكم حالا بسجنه وما أخرج من بيت الحكم إلا ولاقى من اللكم واللطم والسب من أعوان المجلس ما تعجبت من صدوره من فروع الأمة التي كنت أشاهد في اعتدالها في فرنسا وأولئك الأعوان هم من الأهالي غير الثقات ، ومنهم أيضا أعوان للضابطية ويتجسسون على من يقدم من خارج ربما يهيج الأعراب إذا توجه إليهم وبمجرد التهمة يسافر من البلد وهم لا يحسنون لا التجسس ولا الخطاب لعدم الأهلية في الانتخاب وعلى هذا النحو في عدم الجدارة جمع من قضاتهم فلا يتقون الإرتشاء ولا يحسنون حفظ ناموس المنصب ، حتى شاهدت قاضيا في عنابة يتلاطم ويتخانق مع الخصوم ويجلس في حانات الأراذل مما يتنزه عنه أعضاء مجالس الحكم ، وكان ذلك في أصل القصد من عدم التحري في الانتخاب لتنفر الأهالي من أحكام القضاة ويفضلون أحكام المجالس بل وربما أدى ذلك مع زيادة جهل العامة إلى اعتقادهم الاختلال في الشعائر الدينية لما يرون من سوء حالة القضاة وأحكامهم واعتدال المجالس وإنصافهم . مطلب في المعارف بالجزائر : المعارف فيها على قسمين الأول : علوم الديانات والثاني : علوم الرياضيات . فالأول قسمان أيضا :
--> ( 1 ) انظر كتاب مختصر الشيخ خليل صفحة ( 258 ) وما بعدها .