السيد محمد بيرم الخامس التونسي
131
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
ممنوع ولم نر منه شيئا في المرة الأولى ، لكن الدعوى بمزيد الحرية التي تتبع الجمهورية أورثت ذلك الإهمال المفضي إلى التهور والخروج عن الإعتدال ، كيف لا وأحد أحزاب الجمهورية يطلب المصير لما عليه الحيوانات العجم من الاشتراك ، وقد ذكر لي أنه كان وقع مثل ذلك الحزب في إحدى مدن أوروبا العظيمة وثار على الحكومة واقتحم منازل الناس ، وكان في تلك البلاد أحد الأغنياء المشهور بالثروة حاذقا فطنا فأخذ عدة أكياس بالسكة الفضة وجلس عند باب داره وكلما مر عليه إنسان أعطاه فرنكا ، فجاءه جمع من الثائرين فقال لهم : إني منكم وقد حسبت مالي فإذا هو كذا كذا مليونا ، وأهل المملكة مساوون إلى هذا العدد فيصح لكل واحد فرنكا ، فكل من أتى أعطيته حصته ولا يسوغ أن أعطي لأحد مناب غيره ، فلم يسعهم إلا الرضا وتخلص من نهب أمواله وتشتيتها ومن قتله ببعض آلاف فرنك دفعها لأولئك الثائرين إلى أن قهرتهم الحكومة واضمحل أمرهم ، ومن تفاخر الأهالي إتقان الأغنياء للكراريس وبعضهم يجر كروسته أربعة أو ثمانية من الخيل بسائق واحد وبعضهم يكون هو السائق بنفسه ، وتجد بعض هاته الكراريس تركب اثني عشر راكبا فأربعة داخلها مثل المعتاد وأربعة على سطحها على كراسي لازمة كل اثنين على كرسي مثل الأسفل غير أن ظهورهم لبعضهم ، واثنان على كرسي السائق واثنان على كرسي الخدمة من وراء ، وفي قعر الكروسة محل لرفع ما خف من المأكول واللوازم ، فيركب صاحب الكروسة مع خواص عائلته وأحبابه وما يلزمهم لتنزه يوم ويذهبون لأحد المنتزهات خارج البلاد ، ومن عاداتهم أيضا أنهم يتأنقون في ظرافة اللبس والأثاث والبناء وتنظيمه وترتيبه وينشئون المنتزهات وأماكن الارتياح ليشترك في فائدتها الحقير والعظيم ، وإن كان لكل جهة كالقهاوي فما كان منها للعظماء زاد في سعر ما يعطيه وأتقن آلاته حتى لا يزاحم الفقير الغني لكثرة المصرف من غير تحجير حكمي ، بحيث يصح أن يقال أن الملاذ والنزهة عند الفرنساويين ينال منها الحقير حظه وهي مشهورة يعرفها الوافد بأدنى سهولة مع كثرتها أو تهيئها إلى قبول كل أحد . مطلب في التجارة إعلم أن تجارة فرنسا لها الرتبة الأولى في سائر أقسام المسكونة ولهم براعة تامة في إدارة الأشغال ، ولكن الأصول في ذلك هي ما قررناه في إيطاليا غير أنها هي في فرنسا أقوى وأروج وتسبب عنها كثرة الثروة والغنى المفرط ، حتى صارت شركات تجارتهم لا يخلو عنها إقليم من العالم وبواخر بريدهم تخترق سائر البحور ودونك أنموذجا على ما لفرنسا من الغنى ، فإن دولتها عدلت المسكوكات الرائجة فيها سنة 1298 ه 1881 م فكانت كما ترى :