السيد محمد بيرم الخامس التونسي

115

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

نحن في ماليتنا ، ومنه أيضا خبر عظيم وهو ترتيب العدلية على الأصول التي فعلتها الدول في ترتيب العدلية في مصر ، وفائدة هاته التراتيب لا ترجع لفرنسا وحدها بل أن المملكة يرجع لها النفع وكذلك لجميع الدول المتمدنة التي نحن منها ومن غير فتح ولا حرب ، فلا شيء يمنعنا من عملنا في تونس مثل الذي فعلناه في جزائرنا والذي فعلته إنكلاتيرة في الهند ، وإذا نحن جعلنا باي تونس متكفلا بمطالبنا الحقانية فهو دليل على ما نحسبه دائما من أن تونس مملكة مستقلة من غير أن نراعي بعض آثار للتبعية بالاسم فقط لبعض أسياد قد تركوها منذ عدة قرون ، وقد تظهر تلك التبعية نادرا ولو تحسب المدة التي هي فيها مستقلة لكانت أكثر من مدة التبعية ففي سنة 1534 أخذها المشهور « بباربوروس خير الدين » أربع أو خمس مرات بانتصاره على الإسبانيول ، وفي العام الذي بعده أخذها « شارل كين » « 1 » وكذلك في سنة 1553 ثم أخذها داي الجزائر سنة 1570 ، ثم أخذها « دون جوان » النمساوي سنة 1573 ، ثم في طول القرن السابع عشر كانت تحت ظلم الإنكشارية من غير حكم ورؤساؤهم الموسومون بالدايات كانوا إذ ذاك أربعين فقسموها تقريبا كالمماليك الذين قسموا مصر ثم في سنة 1705 كان أحدهم المسمى بحسين بن علي « 2 » الذي أصله كريكي أو كرسكي صار مسلما ، وكان هو أحذقهم فعرف كيف يشدهم وقتل جميعهم واشتهر بالباي وبعصبيات العساكر أقام العائلة الحسينية ومن ذلك الوقت لم تزل الإمارة فيهم على هيئة السيادة الإسلامية ، والآن 200 سنة تقريبا وهم مستقلون والرابطة الحقيقية ، بينهم وبين الباب العالي هي رابطة دينية ، وهم يعترفون بالخليفة إلا أنهم ليسوا تحت السلطان ومما يوضح هذا أنهم لا يدفعون له أداء ، إلا أنه عند ولاية كل باي يرسل هدية غنية تعظيما لرئيس الديانة القاطن بالقسطنطينية ، وفي باقي مدة الولاية فلا مسألة سياسية يمكن أن تذكر غير هاته التحية الودادية ، فليس لأمير المؤمنين حق آخر على باي تونس . والمملكة تعقد شروطا كدولة مستقلة مع الدول الأجانب وتعقد معهم اتفاقات ويكون لها قوّة وذلك برضاء الباي فقط وعلى هذا النمط وقعت معاهدة مع فرنسا في سنة 1742 ، وكذلك في العام الثالث والعام العاشر ، وفي سنة 1824 . وهكذا صارت المعاهدة المهمة في 8 اغستوس سنة 1830 التي تمنع ملك العبيد والتلصص في البحر ، ولا يلزم التكلم على المعاهدات الباقية كالتي في حق صيد المرجان وأن الباب لا يحكم على الولاية إلا

--> ( 1 ) هو كارل الخامس أو شارلكان ( CharlesQuint ) ولد سنة ( 1500 ) إمبراطور الغرب ( 1519 - 1556 ) ملك إسبانيا ( 1516 - 1556 ) احتل تلمسان ( 1530 ) وتونس ( 1535 ) وقصف الجزائر ( 1541 ) انزوى في دير يوست وتوفي فيه . المنجد ص ( 579 ) . ( 2 ) هو حسين بن علي تركي : أبو محمد ( 1080 - 1153 ه ) لقب بالباي وهو مؤسس الإمارة الحسينية في تونس وإليه نسبتها أصله من كريت ولكنه ولد في تونس نودي بإمارته سنة ( 1117 ه ) . قتل في واقعة بالقرب من القيروان . الأعلام 2 / 247 دائرة المعارف للبستاني 7 / 51 .