السيد محمد بيرم الخامس التونسي
111
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
يقع انتخابهم على الخطيب ومع ذلك يعطون الرشا لمن له صوت في الانتخاب لكي يحصلوا بذلك أكثرية المنتخبين ، فكثيرا ما ينجح سعيهم ويحصلون على الوظيفة بذلك الطريق بعد أن تقع غوغاء وتشاتم وسباب بين أحزاب المنتخبين ، فيدخل بسبب ذلك في الوظيفة من لا ترتضيه الأهالي حقيقة أو من ليس جديرا بها لكثرة أغراضه وغير ذلك ، وهذه المفسدة ولئن كانوا جعلوا لها علاجا وهو أنه بعد التئام المجلس المنتخب ينظر في المنتخبين هل هم مستكملوا الشروط أم لا ؟ ومن كان غير مستكمل يفصل عن المجلس ويعاد انتخاب غيره ، لكن ذلك لا يفيد في أغلب الأحوال لأن الذي انتخب بحيلته ورشائه قد يكون مستكمل الشروط الرسمية ، فلا يجد المجلس سبيلا للقدح فيه لكنه غير مستكمل الشرط الأساسي وهو ارتضاء الأمة حقيقة بمسلكه السياسي ، فلذلك كان ينبغي أن يعتبر أن طالب الولاية والأمانة يحرم منها فشرعنا الشريف وللّه الحمد مزيح عنا مثل تلك المفسدة ، وطالب الولاية وإن كان عدلا متوفرة فيه شروط وظيفته فإنه يحرم منها بحرصه عليها ، هذا وقد تضمن كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك تفصيل إدارة هاته المملكة بما يعز وجوده في غيره وينبئ عن باع صاحب التأليف وبصارته في السياسة ، فمن أراد تحقق الأمور وتفصيلها فليرجع إليه . مطلب : في السياسة الخارجية في فرنسا اعلم أن فرنسا لما كانت من أعظم الدول الأوروباوية وفي طبيعة أهلها حب الفخر والوجاهة أكثر من غيرهم ، كانت تحب التداخل في أمر غيرها أشد ممن سواها ممن يقارنها وكفى بما ذكرناه في أحوال نابليون الأول والثالث وأسباب حرب سنة 1287 ه 1870 م شاهدا على ما ذكر ، ولذلك كانت فرنسا لها ما لإيطاليا مما ذكرناه في سياستها الخارجية وتزيد بتطلب النفوذ في جميع الجهات ، إذ جعلت فيها مستعمرات كثيرة فكل مملكة جاورتها ولو في مستعمراتها تتطلب النفوذ لديها ولو بالاعتبار فيما إذا كان الجار ذا شوكة وشأن ، أما إذا كان ضعيفا في القوة والإدارة فإنها تلتقمه مهما سنحت لها الفرصة ، شأن طبيعة الدول القوية ودونك ما وقع في تونس هاته السنة وهي سنة 1298 ه مما يوضح هذا المقصد ، وهو الذيل الذي نبهنا عليه في الباب الثاني عند الكلام على سياسة تونس الداخلية والخارجية . ذيل : في تسلط فرنسا على تونس قد مر في المطلب الثامن من أحوال الإدارة الداخلية في تونس ، حالة وزارة وزيرها مصطفى بن إسماعيل وتصرفاته وما وقع في نازلة صانسي الفرنساوي التي كانت سببا في خوف هذا الوزير من القنصل ورام أن تبدله دولته ، وتقدم أيضا ما هي مقاصد فرنسا في تونس وأنها تروم نيل الدرجة العليا فيها ولما رأت سيرة الوزير المذكور لم تأمن وقوع ارتباكات مغايرة لما كانت راضية بالبقاء عليه ، وخشيت ضياع الفرصة من سهولة التوصل