السيد محمد بيرم الخامس التونسي
99
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
الفصل العشرون المملكة العشرون مملكة أتشين وهي قاعدة جزيرة سومطرى ، وهاته الجزيرة خصبة جدّا وفيها معادن جيدة ومغاص على اللؤلؤ ، ويقسمها خط الاستواء إلى قسمين ، وهواؤها على العموم جيد في الجبال رديء في الأودية ، وسكانها نحو ثلاثة ملايين ، وكان من الحق ذكرها في اتباع الدولة العثمانية ، لكن التغافل من بعض المتوظفين أوجب إهمال الدولة لحقوقها فيها على ما سيأتي ، وأوجب التكلم عليها باستقلالها ، « وذلك أن هاته المملكة كانت في الزمن القديم تحت رؤوساء من المجوس إلى أن فتحها السلطان « جوهشاه » من أمراء الهند في 4 رمضان سنة 611 ه ، وأسلم كل أهلها وتمذهبوا بمذهب الشافعي ، وفي سنة 922 ه في ولاية سلطانها « فرماهشاه » بايعت بالخلافة للسلطان « سليم خان » وحصلت منه على فرمان متضمن لقبول حمايتها وإبقاء سلاطينها على يد الوزير سنان باشا ، ثم جدد ذلك السلطان « عبد المجيد » سنة 1267 ه وأرسل إلى سلطانها « علاء الدين منصور شاه » فرمان التبعية ونيشانا مرصعا ، ونشرت على قلعها وسفنها الراية العثمانية . وعدة سلاطين تلك العائلة إلى سنة 1293 ه ستة وثلاثون سلطانا ، وبمقتضى ما لهم من الرخصة في إدارة المملكة مع تكاثر الأجانب وحبهم التسلط في جهات الهند وجزره عقد أحد سلاطينهم المسمى « علاء الدين محمود شاه » سنة 1155 ه معاهدات مع الهلانديين على أحوال التجارة والسياسة ، ومنها أن لا يقع منهم التعدّي على أحد رعايا أتشين ولا التعدّي على حقوقها وممالكها ، ثم معاهدة أخرى مع الإنكليز سنة 1241 ه أيام السلطان « جوهر العالم شاه » ، وبموجب ذلك سوغ للملكتين المتاجرة في مملكة أتشين فأما الإنكليز فما زالوا قائمين بعهدهم إلى الآن ، وأما الهلانديون فأخلوا بالعهد منذ سنة 1180 ه فاستولوا على بعض جوانب من المملكة ، لكن لما كان أهلها نافرين عن سلطانهم وبينهم عداوة سكتت دولة أتشين على الاستيلاء عليهم كما هي المصيبة في هذا الزمن بالمسلمين من الشماتة ببعضهم بدخول الأجانب فيهم حتى يتمكنوا منهم جميعا لا قدر اللّه ، ثم لا زالت هو لاندة تفتح في أبواب التسلط على المملكة إلى أن فتحت عليهم حربا فجأة سنة 1293 ه وكان سلطانها إذ ذاك حديث السن وهو « محمود شاه علاء » وعند غيبة الناظر عليه ومدبر أمور ملكه الأمير « عبد الرحمن الزاهر » حيث توجه إلى الأستانة لاستنجاد الدولة العلية أيام السلطان ، عبد العزيز فلم يساعد ، واشتدّ الحرب بينهم ولا زال الهلانديون يفتحون في تلك المملكة إلى الآن ، وإن وجدوا من الحمية والشجاعة ما عاقهم عن إنفاذ غرضهم عن عجل ، لكن أعانهم خذلان بعضهم لبعض مع عدم آلات الحرب وعدم معرفة آلاته الجديدة ، وأما قوة هاته الدولة المالية والحربية فغير معلومة وكأنها لا تلبث أن تصير من أتباع هولانده كما وقع في جزيرة جاوة وجزائر وأقواق وغيرها مما استولى عليها