السيد محمد بيرم الخامس التونسي

83

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

واليهود ، والديانة الغالبة فيهم هي البوذية ، وهي نوع من الوثنيين ، كما أن فيهم قسما عظيما من المسلمين يبلغ إلى ما ينيف عن الستين مليونا ، فمن هؤلاء نحو أربعين مليونا متفرّقين في الممالك أصلهم من الأهالي ، ومن العساكر المسلمين الذين جلبهم ملك الصين في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور « 1 » حيث ثارت عليه رعاياه ، فاستنجد بالخليفة على أن يؤدّي إليه معلوما إذا أنجده ، فأرسل له أربعة آلاف من صناديد المسلمين وقهر بهم رعاياه وجازاهم عن ذلك بجواز الإقامة في مملكته مع جواز التزوّج ببنات الأهالي ومصاهرة الأعيان وإعطائهم ما يحتاجون إليه ، فأقاموا على شروط وهي استقلالهم في إدارتهم الخصوصية وعبادتهم وإشهارها ، فأجاز لهم مطلبهم لكن فرقهم على المدن العظيمة في مملكته ، وصار في كل مدينة مدينة مستقلة بالمسلمين على حسب كثرتهم وقلتهم مستقلين في أحكامهم الخصوصية مشهرين لشعائر الدين ، ولهم قضاة وأئمة بحيث لا يتداخل فيهم الحكم الصيني إلا في عموم السياسة ، ومنهم في مدينة « باكين » قاعدة المملكة نحو عشرين ألفا ولهم جامع ضخم قديم حسن جدّا ، ويسمونه بلغتهم « هوى هوى » ومساجد أخرى نحو العشرين منها اثنان لأهل الشيعة حيث حدث فيهم هذا المذهب في القرون الأخيرة ، وأغلبهم أهل سنة عن مذهب أبي حنيفة وكذلك بقية المسلمين في الصين مثل ما ذكر من القسمين . ومن عادات هؤلاء المسلمين أن ينشروا في رأس كل سنة تقارير تشتمل على بيان أوقات الصلاة مكتوبا بأعلاها من أركان الإسلام الخمس كلمة الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، ولا يذكرون الركن الخامس وهو الحج . قال بعضهم : إن علمائهم أسقطوا ذلك لعدم تحمل مشقة الطريق لبعد مسافة الحج عندهم ، وأظن أن علة منع الخروج من ممالكهم هي الباعث على ذلك ، وإلا فليست مملكة الصين بأشق في السفر من أهالي « سمطرا » وأقصى الغرب ودواخل السودان ، فجرت على ذلك عادتهم ولو بعد انتفاء المانع وسهولة السفر بحرا في البواخر . ومن عاداتهم أيضا أن يكتبوا على أبواب الجوامع « خواي خوى ثانغ » أي محل الجماعة الإسلامية ، وأن يكتبوا « تسين جسن سواي » معبد الإله الحقيقي ، ويسمون علمائهم « لاوجوفو » أي المعلم الأكبر ، وأمّا أهل الصين فيسمون جوامع المسلمين « ليطاسو » أي محل العبادة الأسبوعية ، وحيث كان الدين الإسلامي لا يجوّز مناكحة المشركين أسلم كثير من نسائهم بل وعائلات النساء وتزوّج بهنّ المسلمون وتناسلوا إلى أن بلغ عددهم نحو الأربعين مليونا في هذا العصر ، ولم يزالوا على الاستقلال الإداري حتى حكى طرفا منه ابن بطوطة « 2 » وهم عليه إلى الآن .

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن محمد بن العباس أبو جعفر المنصور ( 95 - 158 ه ) ثاني خلفاء بني العباس كان عارفا بالفقه والأدب مقدما في الفلسفة والفلك . توفي ببئر ميمون محرما بالحج . الأعلام 4 / 117 مروج الذهب 2 / 180 و 194 تاريخ بغداد 10 / 53 الكامل في التاريخ 5 / 172 و 6 / 6 تاريخ اليعقوبي 3 / 100 . ( 2 ) هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي أبو عبد اللّه ابن بطوطة ( 703 - 779 ه ) رحالة مؤرخ . توفي في مراكش . الأعلام 6 / 235 وفي الدرر الكامنة 3 / 480 رقم الترجمة ( 1285 ) دائرة المعارف الإسلامية 1 / 99 تاج التراجم 5 / 109 وهو فيه محمد بن علي .