السيد محمد بيرم الخامس التونسي

80

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

ومنها : حسن الألوان فيه كما أنهم لهم إتقان في صناعة النقش والتصوير في سن الفيل وغيره . وأما المعارف والعلوم : فالظن أنهم كانت لهم في القديم فنون كثيرة وبقيت فيهم الدعوى فقط ، بحيث يرون أنفسهم أعلم أهل الأرض ، لكن في الواقع ليس لهم إلا شيء من الحكميات والنجوم مغرمون باستخدامه في علم الغيب وأشباهه مما لا طائل تحته ، وحدث فيهم أخذ بعض الطبيعيات عن الأوروباويين واستخدموها في منافعهم كالبخار والكهربا لكن لم يتجاوزوا إلى الآن المقدار الذي أخذوه ولم يخترعوا شيئا فيه ، وقد كانوا اكتشفوا بيت الإبرة ، وقد أثبت بعض المؤرخين أنها من اختراع العرب كما أن أهل الصين اخترعوا البارود ولم يعرف أنهم استعملوه في حرب قبل استعماله فيها عند غيرهم ، وإنما كانوا يستعملونه للإصلاح كدك التلال وغيره ، وإن وجد من آثار سلاحهم قديما ما يدل على أنهم كانوا يستعملونه فيه ، وأوّل ما عرف البارود في جهاتنا من العرب سنة ( 737 ) هجرية . وموقع هاته المملكة من مبدأ الشطوط الشرقية من آسيا على المحيط الشرقي إلى أن تتصل بأملاك الروسيا ، ومن الجهة الجنوبية تبتدىء من جبال هملاي إلى سبيريا من جهة الشمال فهي حينئذ تحاد الهند من شماليه وما والاه من الممالك الشرقية منه ، وعدد سكان هاته المملكة نحو الثلث من سكان العالم كله وهم على ما تحرّر في سنة ( 1286 ه - 1869 م ) قريبا من خمسمائة وسبعة وثلاثين مليونا من النفوس ، وهذا المقدار يساوي نحو الضعف من سكان أوروبا كلها ، ومع هاته الكثرة التي هم عليها كانوا في السالف لا تكاد تجد منهم خارج مملكتهم إلا النادر القليل لأعجابهم بأنفسهم ، ولأن اصطلاحات أحكامهم تمنع الخروج من الوطن إلا بإذن خصوصي مع التشدد فيه حتى يتبين وجه أكيد لمريد السفر ، ثم مع ذلك إذا غاب المسافر عن وطنه مدة ثلاث سنين يمنع من العودة إليه والدخول فيه ، كما أن من أحكامهم منع دخول أجنبي إلى أرضهم إلا برخصة مخصوصة فإذا نالها كان أين ما حل مكرما محروسا ، وأما إذا دخل بغير رخصة فلا يأمن على نفسه سيما من الحكم ، وقد بقوا على هاته العوائد إلى أواسط هذا القرن ، ثم أطلق الإذن لمن يريد السفر فصار يخرج منهم الكثير إلى الهند وجزائره وإلى أمريكا ، والخارجون لهم براعة في التجارة . وتكاثر الخارجون لضيق الأرض بهم حتى أنهم في وطنهم يضطرون إلى السكنى على الألواح في الشطوط ، بل أنهم يجعلون على الألواح بساتين لأن الأرض لا تكفيهم لكثرتهم وإتقانهم لتعميرها بالفلاحة حتى أنهم يعملون من أنواع السرقين ما لا يعلمه غيرهم إلى الآن ، وهذه المملكة تنقسم إلى ثماني عشرة ولاية تسمى كل واحدة منها بلغتهم « سنقا » . وأولها : المحتوية على تخت السلطنة تسمى باكنغ أوبا أوتاشي أوبى ، ويبلغ عدد سكانها أربعين مليونا ، ثم أن كل ولاية تنقسم إلى أوطان يقال للواحد منها بلغتهم « فو » وكل وطن من هاته ينقسم إلى أجزاء يسمى كل واحد منها « تشيو » ثم كل جزء ينقسم إلى أقسام متعددة صغار تسمى « هيان » .