السيد محمد بيرم الخامس التونسي

68

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

السير على طريق رأس الرجاء الصالح من أوروبا إلى الهند وتملكوا بعض مراكز في تلك الجهات سنة ( 903 ه و 1497 م ) ، ثم قلدهم في التجارة غيرهم من الأوروباويين حتى عقدت شركة إنكليزية للتجارة في الهند ، وعينت أولا سفينتين عظيمتين شراعيتين ومحتويتين على قوات دفاعية للخوف مما عساه يطرأ عليها من تجرىء أهل تلك الأقطار الذين كانوا يجهلون تفصيل أحوالهم لبعد المسافة وطول الطريق ، الذي هو رأس الرجاء الصالح وكان هذا في سنة ( 1053 ه و 1643 م ) . فنفقت التجارة الإنكليزية هناك وكثرت خلطة الإنكليز بالأهالي ، وتعرفوا أحوالهم بما سهل لهم التداخل في سياستهم وتداخلوا فيها ، [ وأطلقت ] اليد لتلك الجمعية التجارية إلى أن وقعت الحرب بين فرنسا وإنكلترا في سنة ( 1159 ه و 1746 م ) ، فحينئذ ابتدأ النفوذ السياسي وأبطلت الشركة وتسلط الإنكليز على بعض الشطوط الهندية مع النفوذ والوجاهة في غيرها ، حتى أن بنباي أعطيت من الهنود مهر الكاترينة زوجة كارلوا الثاني ملك الإنكليز في عشرة الستين وسبعمائة وألف أي حدود سنة 1175 ه ، والممالك التي استولت عليها دولة الإنكليز بدون واسطة الشركة التجارية هي الممالك المعروفة بحكومة الخلجان ، ومنها جزيرة سيلان التي هي في الجنوب الغربي من الهند وسكانها نحو ( 2375000 ) وكذلك جهات الخلجان فالجميع استولت عليها دولة الإنكليز بلا واسطة ، ولهذا كانت إدارتها هناك مخالفة لبقية ممالك الهند ، فلحكومة الخلجان إدارة منفردة تحت حاكم عام له مجلس شورى ومجلس نواب للنظر في مصالحهم وتأليف ما يصلح بهم من القوانين ، وأعضاءه هم كل ذي وظيفة في تلك الحكومة من الأهالي وأعضاء أخر من الإنكليزيين توظفهم الدولة ، ثم الرئيس العام هناك يرجع نظره لوزير المستعمرات لا لوزير الهند ويخاطبه بدون واسطة الحاكم العام في الهند . وأما بقية الممالك الأخر فقد أخذتها الدولة من الشركة المار ذكرها ولم تزل سلطة الإنكليز تتقدم هناك حتى استولوا على بنغالة في سنة ( 1271 ه - 1857 م ) ، وازدادت حينئذ السلطة تقويا ونفوذا وامتدّت في تلك الممالك حتى دخلت في حوزتها جميعها من غير كبر مشقة ، إلى أن حدثت ثورة عامة شديدة هائلة من الأهالي وأوقعوا بالإنكليزيين الذين هناك أشد وقعة في سنة ( 1274 ه - 1857 م ) ، حتى آيس الإنكليز من تلك المملكة وأيقنوا بتقلص ظلهم منها لولا اغترار الأفغانستان ومعاضدتهم للإنكليز على قهر الهنود ، فقهروهم وقتلوا منهم خلائق لا تحصى ومثلوا بهم شرّ مثلة ، وعادت السلطة الإنكليزية سلطة تامة ولم يحصل للإفغانستان إلا التسلط على سياسته ومملكته بما لم يستقر معه قرار إلى الآن ، ثم أن الإنكليز لقبوا ملكة إنكلترا بإمبراطورة الهند في سنة ( 1293 ه - 1876 م ) وعقدوا له في الهند موكبا حافلا لم يسمع بنظيره ، وحضره كل ملوك الهند الذين تحت ولاية الإنكليز .